{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} [القلم: 30] ؛ يعني: القوى اللوامة بعد أن ترى آيات الرب نفسها، وهذا ينفع في أثناء السلوك إذا طلع السالك على ظلمة الغفلة عن ذكر ربه وتركه الاقتداء بمقتداه، فيتوب إلى الله ثم يستأنف العمل على وفق الاقتداء، ويترك الغفلة ويشتغل بالذكر؛ ليزرع بعد ذلك على وفق أمر الدهقان الخبير، ويحصد - إن شاء الله تعالى - على وفق مراده عن قريب ذاته، لا ينفع بأن يفرغ عنه الآيات والأدوات، والبذر والأرض، ولا يزيد له من حسرته إلا العذاب الأليم المقيم، اللهم نبهنا من نومة الغافلين واجعلنا من الذاكرين.
{قَالُواْ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} [القلم: 31] في منعنا المسكين، {عَسَى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم: 32] ، فإذا تابوا إلى الله {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] ، {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} [القلم: 33] ؛ يعني: هكذا يكون العذاب، فينبغي أن يخالف السالك من مثل هذه الواقعة الهائلة ويرجع إلى الله رغبة ورهبة، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [القلم: 33] ؛ لأن الرجوع في الآخرة إلى عالم الكسب غير ممكن، وفي هذه الواقعة التي رأى السالك إذا انتبه ويرجع إلى الله منيبًا تائبًا يقبل الله توبته ويبدل الله سيئاته حسنات، فإن لم يلتفت إلى هذه الواقعة الهائلة، ويظن أنها من قبيل الخيالات أو غلبة خلط السوداء يعذب في الآخرة بمثل هذه الواقعة الهائلة، وأشد منها دائمًا أبدًا بعد نزع الآلات والأدوات عنه.
{إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [القلم: 34] ؛ يعني: الذين اتقوا ربهم متاع الحياة الدنيا، واجتنبوا عنها لهم عند ربهم جنات النعيم من كل ما اشتهت أنفسهم، {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] ؛ يعني: نجعل القوى المؤمنة كالمجرمة، لو تظنون أيتها القوى المجرمة هذا منا ساء ما تظنون وجومد ما تحكمون، وظنكم بالدهر مخطئ؛ لأنا خلقناكم لتكونوا باقين أبد الآباد مظاهر اللطف والقهر، فكل من كان مؤمنًا مسلمًا فهو مظهر اللطف يتنعم أبد الآباد، ومن كان مشركًا مجرمًا فهو مظهر القهر يتألم أبد الآباد، {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 37] ؛ يعني: هذا الظن منكم بأن دين الدهر عن حق أم من عند أنفسكم، أمن من كتاب جاء من الحق أنتم درستم فيه، {إِنَّ لَكُمْ} [القلم: 38] بعد الجزم {فِيهِ} [القلم: 38] ، في ذلك الكتاب {لَمَا تَخَيَّرُونَ} [القلم: 38] لما تختارون وتشتهون، {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} [القلم: 39] ؛ يعني: عاهدناكم وأعطيناكم مواثيق إلى يوم القيامة، {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} [القلم: 39] ؛ أي: يفعل بكم كما تشاءون وتختارون لأنفسكم بعد افتراق الجزم في دار الكسب.