فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 1648

{قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ} [الرعد: 16] السماوات: سموات القلوب، والأرض: أرض النفوس، ومن دبر فيها درجات الجنان بالأخلاق الحميدة، ودركات النيران بالأخلاق الذميمة، وجعل مشاهد القلوب مقامات القرب في شواهد الحق ومراتع النفوس، وشهوات الدنيا، ومنازل البعد {قُلِ اللَّهُ} أي: أجب أنت عن هذا السؤال؛ لأن الأجانب منه بمعزل {قُلْ} للأجانب {أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} [الرعد: 16] من الشيطان والدنيا والهوى وهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا في الدنيا والآخرة؛ لأنهم مملوك والمملوك لا يملك شيئًا.

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الرعد: 16] الأعمى من يرى غير الله مالكًا، ومتصرفًا في الجود والبصير ضده، وأيضًا الأعمى وَهْمُ النفوس؛ لأنها تتعلق بغير الله وتحب غيره، والبصير للقلوب؛ لأنها تتعلق بالله، وتحب له. فالأعمى من عمى بالحق، وأبصر بالباطل، والبصير للقلوب؛ لأنها تتعلق بالله، وتحب له. فالأعمى من عمى بالحق، وأبصر بالباطل، والبصير ضده، وأيضًا، الأعمى من أبصر بظلمات الهوى، والبصير من أبصر بأنوار المولى {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} [الرعد: 16] أي: هل يستوي المسكن في ظلمات الطبيعة والهوى، ومن هو مستغرق في بحر نور جمال المولى {أَمْ جَعَلُواْ} أهل الهوى {للَّهِ شُرَكَآءَ} [الرعد: 16] من الدنيا وأهلها.

ثم قال: {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} [الرعد: 16] أي: خلقوا الدنيا، وأهل الدنيا شيئًا مما لهم بخلق الله تعالى {فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 16] أي: على أهل الهوى الذين يطلبون حوائجهم فرجعوا إليهم في الطلب أو جعلوا ما سوى الله شريكًا في الطلب في المحبة.

{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وليس غيره خالق تدل هذه الآية على أنه خالق الخير والشر {وَهُوَ الْوَاحِدُ} [الرعد: 16] في ذاته وصفاته {الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] لمن دونه أي: هو الواحد في خلق الأشياء، وقهرها لا شريك له فيه، ولا في المطلوبية ولا المحبوبية {أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً} [الرعد: 17] من سماء القلوب ماء المحبة {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] أودية النفوس {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} [الرعد: 17] من الأخلاق الذميمة النفسانية والصفات البهيمية الحيوانية، وأنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدات أنوار الجمال فسالت أودية القلوب بقدرها.

{فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} [الرعد: 17] من أوصاف البشرية والإنسانية وأنزل من سماء الأسرار كشف ماء أنوار الجلال فسالت أودية لأرواح {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} من أنانية الروحانية، وأنزل من سماء الجبروت ماء تجلي لصفات الألوهية {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} الأسرار {بِقَدَرِهَا} فاحتمل السيل زبد الوجود المجازي، {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ} [الرعد: 17] من البقاء {فِي النَّارِ} {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 6 - 7] لكيلا تبقي ولا تذر، وهي المتزكية {ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} ، وهي التحلية بالبقاء، {أَوْ مَتَاعٍ} وهو التمتع به منه {زَبَدٌ مِّثْلُهُ} [الرعد: 17] أي: مثل زبد البشرية، وهو زبد المعرفة والتوحيد {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ} [الرعد: 17] في الأحوال كلها، {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} [الرعد: 17] با لفناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت