{مَآءً} [العنكبوت: 63] أي: ماء الإيمان {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ} [العنكبوت: 63] أرض القلوب {مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} [العنكبوت: 63] بسم الضلالة {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [العنكبوت: 63] الذي أنعم عليهم بنعمة الإحياء لقلوبهم الميتة {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] أي: لا يفهمون تحقيق هذه الإشارة وأيضًا لا يعقلون؛ لأنه ليس هذا المعنى مناسبًا لقولهم بأن من أخطأه رشاش ذلك النور في البداية وهو موجب للضلالة كيف يهديه الله في النهاية، وقد قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] وذلك لأن عقولهم بمعزل عن فهم أن الله تعالى نور مصباح زجاجة قلب نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بنور جماله وجلاله، ثم بعثه إلى الخلق وقال: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ} [المائدة: 15] وهو سراج منير، فمن آمن به واتبع سراج قلبه المنطفئ من ذلك النور سراج قلبه المنير، نور الله سراج قلبه بذلك النور فأحياه بعد موته.
كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122] أي: في الظلمات التي خلق فيها، ولم يصبه رشاش النور وبقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} [العنكبوت: 64] يُشير إلى هذه الحياة الدنيا يعيش بها المرء في الدنيا بالنسبة إلى الحياة التي يعيش بها أهل الآخرة في الآخرة، وجوار الله تعالى لهو ولعب، وإنما شبهها باللهو واللعب لشيئين:
أحدهما: أن اللهو واللعب سريع الانقضاء لا يداوم، فلهذا المعنى أن الدنيا بشهواتها كظل زائل لا يكون لها بقاء، فلا تصبح لاطمئنان القلب بها والركون إليها.
والثاني: أن اللهو واللعب من شأن الصبيان والسفاء دون العقلاء وذوي الأحلام؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"ما أنا من ددٍ ولا دد مني"والدد اللهو واللعب فالعاقل يصون نفسه منه وبقوله: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64] يشير إلى أن دار الدنيا لهي الموت؛ لأنه تعالى سمى الكافر وإن كان حيًا بالميت بقوله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] .
وقال تعالى: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا} [يس: 70] فثبت أن الدنيا وما فيها لهي الموتات إلا من أحياه الله بنور الإيمان، فهو الحق والآخرة عبارة عن عالم الأرواح والملكوت فهي حياة كلها، وإنما سماها الحيوان؛ لأن الحيوان ما يكون حيًا وله حياة فيكون جميع أجزائه حيًا في الآخرة حيوان؛ لأن جميع أجزائها حية، فقد ورد في الحديث أن الجنة بما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنهار حتى ترابها وحصاها كلها حية، فالحياة الحقيقية التي لا تشينها الغصص والمحن والأمراض والعلل، ولا يدركها الموت والفوت هي حياة أهل الجنات والقربات لو كانوا يعلمون قدرها وغاية كماليتها وحقيقة عزتها لكانوا أشد حرصًا في تحصيلها هاهنا، فمن فاتته لا يدركها في الآخرة ألا ترى أن من صفة أهل النار أنه لا يموت فيها ولا يحيا يعني بحياة حقيقية يستريح بها فإنهم يتمنون الموت ولا يجدونه.