فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 1648

أيها الذاكر هل أتى عليك حين من الدهر في الذكر كان لم يكن شيئًا مذكورًا ولم يكن شيئًا مذكورًا، ولم لم يكن هكذا لن يصح منك الذكر؛ لأن من خاصية الذكر نيسان غير الحق كما يقول في كتابه {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] ؛ أي: نسيت سوى الرب إما تقرأ كلام الرب حيث يقول: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} [الإنسان: 1] ، وهذا الحال يظهر على الذاكر الذي يسلك في مرتبة آدم عند غلبة سلطان ذكر الحق على طينة قالبه، فتلاشى الطين من الطينة الطينية، وينفذ نور الذكر الحقيقي في أجزاء وجوده وعند مجيء الحق زهوق الباطل، كما قال في كلامه: {جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، فلما يزهق الباطل يصير اللطيفة مستحقة؛ لينفخ الروح القدسي الإضافي فيها، فإذا نفخ فيها صار السالك آدم وقته وإنسانًا كاملًا في مرتبة البياض والسواد.

{إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} [الإنسان: 2] ؛ أي: من نور نطفة الولاية في هذه المرتبة {أَمْشَاجٍ} [الإنسان: 2] مختلطة بنور النبوة ونور الحق، ونور الربوبية في رحم الإرادة، {نَّبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] بالإصدار التي جمعناها جبرًا في قالبه، وأمرناه بمحافظة الأضداد ومخالفة هواهم، {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا} متصفًا بصفة سمع الحق {بَصِيرًا} [الإنسان: 2] متصفًا بصفة بصره، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: 3] بعد إعطاء هاتين الصفتين إياه؛ يعني: سبيل المحق الباطل، {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] نعمتنا وهذه الهداية تمام أمر الابتلاء، {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] .

{إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلًا وَسَعِيرًا} [الإنسان: 4] ؛ يعني: هيأنا للكافرين، فمنها: سلاسل التمني والحرص؛ بحيث لو كان له واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفه إلا التراب وأغلال البخل وسعير الحسد، ويسّرنا لهم كسب السلاسل والأغلال والسعير {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الإنسان: 5] ؛ يعني: إن الشاكرين نعمنا يشربون من كأن استعدادهم التي كان مزاجها كافورًا؛ يعني: طينة الكأس ممن وجه بكافور الجمال صورة والجلال معنى، والمسك جلالي في الصورة والكافور جمالي في الصورة، وفي بيان هذا السر لطيفة، لو بحت بها لاستباح العوام سفك دم، وإن كان من بطن القرآن فطويت صحيفتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت