وقوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} [يوسف: 35] أي: ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن راعى صلاحية القلب، {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ} [يوسف: 35] وهي آثار عناية الله تعالى، وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه، {لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] في سجن الشرع، {حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35] أي: إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظره قول: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] أي: الموت إذ النبي مسلم مع كماله في الدنيا، والنبوة والرسالة مأمور من محبوبه بأن يكون مسجونًا في سجن الشرع حتى حين موته فكيف من دونه؟ واللهُ أعلم.
قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف: 36] يشير إلى أنه لما دخل يوسف القلب سجن الشريعة، {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف: 36] وهما ساقي النفس وخباز البدن غلامان لملك الروح أحدهما صاحب شرابه والآخر صاحب طعامه، فالنفس صاحب شرابه تهيئ لملك الروح ما يصلح له شربه منه، فإن الروح العلوي الأخروي لا يعمل عملًا في السفلي البدني إلا بشرب يشربه النفس، والبدن صاحب طعامه الذي يهيئ من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، والروح لا تبقى إلا بغذاء روحاني باق كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني، وإنم حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بأن يجعلا السم في شراب ملك الروح وطعامه فيهلكاه، وهو سم الهوى والمعصية فإذ كانا محبوسين في سجن الشريعة أمن ملك الروح من شرهما.
{قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] يشير إلى أن النفس البدن كلاهما ينادي وأهل الدنيا نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وكل عمل يعمل أهل الدنيا فهو بمثابة الرؤيا التي رآها النائم، فإذا انتبه بالموت يكون له تأويله يظهر في الآخرة، ويوسف القلب بتأويل منامات أهل الدنيا عالم؛ لأنه من المحسنين كما قال: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] .