الإشارة في تحقيق قوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] أن السماوات والأرض تدلان بما كون فاطر فطرهما فإن ثبوتهما بلا كون مكون واجب الكون محال؛ لأنه يؤدي إلى التسلسل والتسلسل محال، وذلك الكون هو الله {يَدْعُوكُمْ} من المكونات إلى المكون لا لحاجته إليكم بل لحاجتكم إليه {لِيَغْفِرَ لَكُمْ} بصفة الغفارية {مِّن ذُنُوبِكُمْ} التي أصابكم من حجب ظلمات خليقة السماوات والأرض فاحتجبتم بها عنه {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} المعنى لنا أخرجكم من حجب الظلمات بصفة الغفارية يؤخركم عن السير في الصفات والذات إلى أوانه حكمة منه {قَالُوا} أي: للرسل {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تعبدون الهوى والدنيا كما كان يعبد آباؤنا {تُرِيدُونَ} بمقالتكم {أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} الدنيا وشهواتها لتتمتعوا بها دوننا {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} ببرهان يبين لنا صدق دعواكم.
{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ} [إبراهيم: 11] أي: كنا {مِّثْلُكُمْ} في البشرية نعبد الهوى والدنيا {وَلَكِنَّْ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بأنهم يهديهم للإيمان وللمعرفة والمحبة؛ ليتركوا ما سواه ويطلبوه ببذل الموجود في نيل المقصود فإذا وجدوه دلوا عباده عليه وذلك {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: أتيكم بما يتسلط عليكم ليفطركم إلى الله {وَعلَى اللَّهِ} في الهداية إليه {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} الذين يؤمنون بالوصول إليه.
{وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ} [إبراهيم: 12] في الهداية {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} وهي الإيمان والمعرفة والمحبة فإنهما سُبل الوجد ومقاماته، فكذلك يهدي لنا إليه إذا توكلنا عليه {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا} بالتكذيب ورد الدعوة والإعراض عن الله {وَعَلَى اللَّهِ} في الهداية إليه {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} على الله في الهداية إلى سبيله فإن للتوكل مقامات فتوكل المبتدئ قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب، وتوكل المنتهي قطع التعلق بما سوى الله للاعتصام بالله.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [إبراهيم: 13] أي: ستروا الحق بالباطل وهم النفس والهوى {لِرُسُلِهِمْ} وهو القلب والروح فإنهما محل إلهام الحق {لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ} أو أرض الإنسانية {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وهي طلب الدنيا وشهواتها والتلذذ بنعيمها {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} ألهمهم {لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} أي: لنهلكن النفس والهوى بسطوات أنوار الشريعة في استعمالها بالطريقة.
{وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ} [إبراهيم: 14] أرض الإنسانية {مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد هلاكهم وتبدل أخلاقهم بأخلاق الروحانية والربانية {ذلِكَ} أي: ذلك الغلبة والتمكن والاستيلاء {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي: خاف مقام الوصول، وقال: العوام يخافون دخول النار والمقام فيها، والخواص يخافون فوات المقام في الجنة لأنها دار المقامة، واخص الخواص يخافون فوات مقام الوصول {وَخَافَ وَعِيدِ} أي: وعيد القطيعة والبعد.