فهرس الكتاب

الصفحة 965 من 1648

{طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 1 - 2] إلى قوله: {لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] {طه} يشير إلى: النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا من طوي به بساط النبوة، وأيضًا: يا من طويت له المكونات إلى ما يشاء {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2] في الدنيا والعقبى، بل أنزلناه على قلبك؛ لتسعد بتخلقك بخلقه لتكون على خلق عظيم، وليسعد بك الأولين والآخرين من أهل السماوات وأهل الأرض، ولتكون رحمة للعالمين، كما قال: {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} [طه: 3] يعني: عظة لمن يخشى الله بالغيب، ويؤمن بنبوتك، ويقبل رسالته {تَنزِيلًا} [طه: 4] على قلبك {مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ} [طه: 4] أرض بشريتك {وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} [طه: 4] سماوات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات وأول المخلوقات كما قلت: أول ما خلق الله روحي {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ} [طه: 5] أي: بصفته الرحمانية {اسْتَوَى} [طه: 5] على عرش قلبك؛ ليكون لك معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} [طه: 6] الروحانية من الصفات الحميدة {وَمَا فِي الْأَرْضِ} [طه: 6] البشرية من الصفات الذميمة {وَمَا بَيْنَهُمَا} [طه: 6] من القلب ما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6] أي: ما هو مركوز في جبلة الإنسانية.

{وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ} [طه: 7] أي: تظهر من صفاتك بالقول {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ} [طه: 7] وهو ما تظهر من سريرتك {وَأَخْفَى} [طه: 7] بالقول وهو ما أخفى الله من خفيتك، فالسر بإصلاح أهل التحقيق لطيفة بين القلب والروح وهو معدن أسرار الروحانية، والخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية، وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها، فافهم جيدًا واغتنم.

ولهذا قال عقب قوله: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] قوله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] إشارة إلى أن مظهر ألوهيته وصفاته العليا وأسمائه الحسنى إنما هو الخفي الذي هو أخفى من السر؛ أي: ألطف وأعز وأعلى وأشرف وأقرب إلى الحضرة منه ألا وهو سر {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] وهو حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق آدم فتجلى فيه".

ثم اعلم أن لطيفة السر التي تكون بين القلب والروح موجودة في كل إنسان مؤمن أو كافر عند نشأته الأولى، والخفي قد نشأ عند نشأته الأخرى، فلهذا يمكن أن يكون كل إنسان مؤمن أو كافر بعدد أسرار الروحانية وجملتها المعقولات، ولا يمكن إلا لمؤمن موحدًا أن يكون مهبط أنوار الربانية وأسرارها وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت