{وَلَهُ الْحَمْدُ} في الحالتين إن كنتم {فِي السَّمَاوَاتِ} [الروم: 18] سماوات القربات والوصلات.
{وَالْأَرْضِ} [الروم: 18] ، وإن كنتم في أرض البعد والقربات {وَعَشِيًّا} [الروم: 18] أي: عشاء غشاوة القلوب بالقساوة والاستغراق في بحر الغفلات {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18] عند استواء شمس العرفان وسعة سماء القلوب واستهلاك وجود العارف في عين الشمس باقيًا بعين الشمس، فإن الربح والخسران في تلك الحالتين راجع إلى الطائفتين {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] .
{يُخْرِجُ الْحَيَّ} [الروم: 19] بنور الله {مِنَ الْمَيِّتِ} [الروم: 19] أي: من النفس الميتة عن صفاتها وأخلاقها الذميمة إظهارًا للطفه ورحمته {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ} أي: القلب الميت عن الأخلاق الحميدة الروحانية {مِنَ الْحَيِّ} [الروم: 19] .
{وَيُحْي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الروم: 19] من النفس الحية بالصفات الحيوانية الشهوانية إظهارًا لقهره وعزته.
ثم أخبر عن الآيات البينات الدالة على خلقه المخلوقات بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [الروم: 20] يشير إلى أن التراب أبعد الموجودات عن الحضرة؛ لأنا إذا نظرنا على الحقيقة وجدنا أقرب الموجودات إلى الحضرة عالم الأرواح؛ لأنه أول ما خلق الله الأرواح ثم العرش؛ لأنه محل صفة رحمانية، ثم الكرسي، ثم السماء السابعة، ثم السماوات كلها، ثم فلك الأثير، ثم فلك الزمهرير الهواء، ثم الماء ثم التراب وهو جماد لا حس فيه ولا حركة وليس له قدرة على تغيير ذاته وتبديل صفاته، فلما وجدنا ذاته متغيرة عن وصف البشرية؛ علم أنه محتاج إلى مغير ومبدل وهو الله سبحانه وتعالى.
وأشار بقوله: {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} [الروم: 20] يعني: كنتم ترابًا جمادًا ميتًا أبعد الموجودات عن الحضرة جعلتكم بشرًا بنفخ الروح فإنه آية أظهر وأبين من الجمع بين أبعد الأبعدين والأقربين بكمال القدرة والحكمة، وجعلتكم مسجود الملائكة المقربين وجعلتكم مرآة مظهرة بجميع صفات جمالي وجلالي ولهذا السر جعلتكم خلائف الأرض.
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [الروم: 21] يعني: ازدواج الروح والنفس فإنه تعالى خلق النفس من الروح وجعلها زوجه كما خلق حواء من آدم وجعلها زوجة ليسكن إليها يعني: الأرواح إلى النفوس كما سكن آدم إلى حواء، ولو لم تكن حواء لاستوحش آدم في الجنة كذلك الروح، ولو لم تكن النفس خلقت منه لسكن إليها واستوحش من القالب ولم يسكن فيه {وَجَعَلَ بَيْنَكُم} [الروم: 21] أي: بين الروح والنفس {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] ألفة واستئناسًا ليسكن في القالب.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] بالفكر السلبي في الإنسان كيف أودع الله فيه سرًا من المعرفة التي كل المخلوقات كانت في الخلقة تبعًا لها، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ} [الروم: 22] سماوات القلوب {وَالْأَرْضِ} [الروم: 22] أرض النفوس، {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} [الروم: 22] أي: اختلاف ألسنة القلوب في ألسنة النفوس فإن لسان القلوب يتحرك بالميل إلى العلويات وفي طلبها يتكلم ولسان النفوس يتحرك بالميل إلى السفليات وفي طلبها يتكلم.
{وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22] أي: وطبائعكم المختلفة منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، {إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] العارفين الذين عرفوا حقيقة أنفسهم وكماليتها فعرفوا الله ورأوا آياته إراءة إياهم لقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] .