فهرس الكتاب

الصفحة 984 من 1648

قوله تعالى: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} [طه: 100] يشير إلى أن من أعرض عن الذكر الحقيقي الذي قام به حقيقة الإيمان والإيقان والعرفان {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 100 - 101] أي: حملًا ثقيلًا من الكفر والشرك والجهل والعمى وقساوة القلب والرين والختم والأخلاق الذميمة والبعد والحسرة والندامة والحرق، وكذا هنا حقيقة العبودية ودوام الذكر ومراقبة القلب وصدق التوجه لقبول الفيض الإلهي الذي هو حقيقة الذكر الذي أوله: إيمان، وأوسطه: إيقان، وآخره: عرفان؛ فالذكر الإيماني: يورق الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة بترك المعاصي والاشتغال بالطاعات، والذكر الإيقاني: يورث ترك الدنيا وزخارفها بحلالها وحرامها، وطلب الآخرة ودرجاتها بالطاعات منقطعًا إليها، والذكر العرفاني: يوجب قطع تعلقات الكونين، والتكبير على سعادة الدارين، وبذل الوجود على شواهد المشهود بقوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا} [طه: 102 - 103] يشير: أنه إذا نفخ في الصور وحشر على أهل البلاء وأصحاب الجفاء يوم الفزع الأكبر {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل: 17] {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] .

وإن ربنا قد غضب ذلك اليوم غضبًا لم يغضب قبله ومثله، ولن يغضب بعده ليرون من شدة أهوال ذلك اليوم ما يقلل في أعينهم شدة ما أصابهم من العذاب طول مكثهم في القبور، فهم يحسبون أنهم ما لبثوا في القبور إلا عشرة أيام، ومن ثم قال تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} [طه: 104] من عظيم البلاء وما يقولون {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} [طه: 104] أي: أصوبهم رأيًا في نيل شدة البلاء {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا} [طه: 104] وذلك لأنه وجد بلاء ذلك اليوم عشرة أمثال ما وجدوه، ومن شدة أهوال ذلك اليوم فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} [طه: 105] أي: ويسألونك عن أحوال الجبال في ذلك اليوم {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه: 105] بتجلي صفة القهارية كما جعل الطور دكَّا.

{فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجًا} [طه: 106 - 107] من بقاياها {أَمْتًا} [طه: 107] من زواياها {يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} [طه: 108] أي: الذي دعاهم في الدنيا فأجابوا داعيهم لا يموج له في دعائهم؛ يعني: كل داع من الدعاة لا يدعو غير أهله، وكل تابع لا يتبع إلا داعيه نظير قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] أي: بداعيهم الذي هم يتبعونه.

ثم اعلم أن لكل داع من الدعاة مجيبًا في جبلة الإنسانية؛ لأنه تعالى هو الداعي والمجيب كقوله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] فالله هو الداعي والمجيب بالهداية بحسب لسان المشيئة، فافهم جيدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت