فهرس الكتاب

الصفحة 898 من 1648

ثم أخبر عن زهوق صفات البشرية عند تجلي صفات الربوبية بقوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ} [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يجيء من الحق تعالى من الواردات والطوالع والشواهد والأنوار وتجلي صفات الجمال وتجلي صفات الجلال.

وبقوله: {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يكون من الخواطر والتفكر والتعقل، والأوصاف والأخلاق والذوات، فإن في مجيء كل واحد مما من الحق زهوق واجد مما من الخلق {إِنَّ الْبَاطِلَ} [الإسراء: 81] وكل ما خلا الله {كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] زائلًا، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد:"

_@_ألا كلَّ ما خلا الله باطلُ_@_ وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ_@_ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"بل نعيم الجنة فإنه لا يزول".

وبقوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ} [الإسراء: 82] يشير إلى أن كلام الحبيب شفاء القلوب كما قيل: إن الأحاديث من سلمى تسليني، وإن من القرآن ما هو إيعاد بالوصلة والوصال، فهو شفاء لمعلول الهجر والفراق، وأين المدامة من ريقها؛ ولكن أعلل قلبًا عليلًا، قال موسى عليه السلام وهو معلوم القرآن، وكان يرى بشفائه في الوصال، فقال: {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] فكان الله تعالى يشفيه بكلامه فقال له: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} [الأعراف: 144] فإن فيه تسكين ثائرة شوقك في الحال {وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] لا يزيد في نعمة اللقاء في المآل {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} [السجدة: 23] .

وأما حال الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم فهو المحبوب المجذوب غريق ببحر الوصال، وقد شفي قيل أن يستشفى، فقيل له: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ} [الفرقان: 45] {وَرَحْمَةٌ} [الإسراء: 82] له و {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 8] إذا أرسله الله رحمة للعالمين {وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ} [الإسراء: 8] منكري أرباب حقائق القرآن وأسراه {إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 8] بأن يخسروا الإيمان التقليدي بالإنكار على أهل الإيمان الحقيقي، بل على أهل العناية {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ} [الإسراء: 83] بالإيمان التقليدي {أَعْرَضَ} [الإسراء: 83] عن أهل الحق وأرباب الحقائق {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83] تعظيمًا لنفسه وتباعدًا من أهل الحق مستأنفًا للاقتداء بهم.

{وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} [الإسراء: 83] بشبهة في الدين من كلمات أهل الأهواء والبدع {كَانَ يَئُوسًا} [الإسراء: 83] يقنط عن إيمانه بأدنى شك داخله في دينه.

{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] وهي ما خلق عليه من درجات السعادة كالمؤمنين الموحدين قابلي كمالات الدين من حقائق القرآن والتخلق بأخلاقه، ومن دركات الشقاوة كالمنافقين المشركين منكري حقائق القرآن وأربابها {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} [الإسراء: 84] إلى الحق الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت