ثم أخبر عن الروح الذي به كل فتوح بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] يشير إلى أن الروح من عالم الأمر، فإن الله تعالى خلق العوالم كثيرة كما جاء في الخبر بروايات مختلفة، فقال في بعض الروايات:"خلق ثلاثمائة وستين ألف عالم"، وقد مرَّ تفصيلها ولكنه جعله محصورة في عالمين اثنين وهما الخلق والأمر، كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ} [الأعراف: 54] ، تبارك الله رب العالمين.
عبَّر عن عالم الدنيا: وهو ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس بالخلق.
وعبَّر عن عالم الآخرة: وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة وهي: العقل والقلب والسر والروح والخفي بالأمر.
فعالم الأمر هو: الأوليات العظائم التي خلقها الله تعالى للبقاء من الروح والعقل والقلم واللوح والعرش والكرسي والجنة والنار، وسمي عالم الأمر أمرًا؛ لأنه أوجده بأمر كل من لا شيء بلا واسطة شيء كقوله: {خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] ولما كان أمره قديمًا، فما يكون بالأمر القديم كان باقيًا، وإن كان حادثًا، وتسمى عالم الخلق خلقًا؛ لأنه أوجده بالوسائط من شيء كقوله: {وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185] فكما أن الوسائط كانت مخلوقة من شيء مخلوق سماه خلقًا خلقه الله للفناء فتبين أن قول: {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] إنما هو لتعريف الروح معناه إنها منه من عالم الأمر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء، وإن قوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ليس للاستبهام، كما ظن جماعة أن الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عالمًا به جل منسوب حبيب الله ونبيه صلى الله عليه وسلم من أن يكون جاهلًا بالروح مع أنه عالم بالله وقد منَّ الله عليه بقوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] أحسب أن علم الروح ما لم يكن يعلمه، ألم يخبر الله أنه علَّمه ما لم يكن يعلم، فأما سكوته عن جواب سؤال الروح وتوقفه انتظارًا الموحي حين سألته اليهود فقد كان لغموضه يرى في معنى الجواب دقة لا يفهمها اليهود لبلادة طباعهم وقساوة قلوبهم وفساد عقائدهم، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] وهم أرباب السلوك والسائرون إلى الله.
فإنهم لما عبروا: عن النفس وصفاتها ووصلوا إلى حريم القلب عرفوا النفس بنور القلب.
ولما عبروا: بالسير عن القلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر عرفوا علم السير للقلب، وإذا عبروا: عن السر ووصلوا إلى عالم الروح عرفوا بنور الروح السر.
وإذا عبروا: عالم الروح ووصلوا إلى منزل الخفي عرفوا بشواهد الحق الروح، وإذا عبروا: عن منزل الخفي ووصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بأنوار مشاهدات صفات الجمال الخفي.