ثم أخبر عن وعيد من أعرض وتولى وتهديد من كذب بهذه المرتبة العليا بقوله تعالى {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} [الحجر: 89] كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا بإظهار مقامه وهو النبوة وبتعريف نفسه أنه نذير للكافرين، كما أنه بشير للمؤمنين وأنه لما أمر بالرحمة والشفقة ولين الجانب للمؤمنين بقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] إظهارًا للطفه وأمر بالتهديد والوعيد والإنذار بالعذاب {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] وهم الذين اقتسموا قهر الله المنزل على أنفسهم بأعمالهم الطبيعية غير الشرعية، فإنها مظهر قهر الله وخزائنه كما أن الأعمال الشرعية مظهر لطف الله وخزائنه، فمن قرع باب خزانة اللطف أكره وأنعم عليه ومن دق باب خزانة القهر أهين به وعذب. ثم أخبر عن أعمالهم التي اقتسموا قهر الله بها على أنفسهم بقوله {الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] أي: جزؤه أجزاء في الاستعمال، فقوم: قراؤه وداوموا على تلاوته ليقال لهم القراء وبه يأكلون وقوم: حفظوه بالقراءة ليقال لهم الحفاظ وبه يأكلون.
وقوم: حصلوا تفسيره وتأويلاته ابتغاء طلب الشهرة وإظهارًا للفضل ليأكلوا.
وقوم: استخرجوا معانيه واستنبطوا فقهه وبه يأكلون وقوم: شرعوا في قصصه وأخباره ومواعظه وحكمه وبه يأكلون وقوم: أولوه على وفق مذاهبهم وفسروه برأيهم فكفروا بذلك.