{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر} [القمر: 10] ؛ يعني اللطيفة النفسية دعت ربه: إني مغلوب من غلبة القوى المكذبة والمنكرة، فانصرني بالوارد القهري، {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَاءِ} [القمر: 11] الصدر {بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} [القمر: 11] بماء الوارد القهري منصبًا على أرض البشرية، {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ} [القمر: 12] ؛ يعني: غلب ماء سماء الصدر على ماء عنصرية أرض البشرية {قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12] على حد قدرناه وأمرناه {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر: 13] ؛ يعني: حملنا اللطيفة النوحية على سفينة شريعتها، التي هي ذات ألواح سرية ودسر خفية؛ والدسر المسامير، {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] ؛ أي: بحفظنا ومراء منا على وجه الماء، وأغرقنا القوى المكذبة المنكرة لآياتنا في ماء الوارد الظاهر {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} [القمر: 14] ، وهو الاستعداد المخصوص بالنفس كفر باللطيفة النفسية، النفس قدر جوهرها،؛ وهي نعمة من الله تعالى كفر بها وبآياتنا وكذب اللطيفة المرسلة.
{وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} [القمر: 15] ؛ يعني: هذه الحالة تركناها في النفوس علامة بعينه للسالكين طريقتنا، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 15] ؛ أي: متعظ متذكر في نفسه بأن هذه الحالة كيف وقعت لي؟ وما معنى هذه الواقعة، وكنت في بداية وصولي إلى هذه الواقعة؟
حكيت لأحد من خلاني: إني رأيت اليوم واقعة مثل واقعة نوح عليه السلام، ورأيت أيضًا قيام القيامة، فضحك وقال: القيامة الموعودة المستقبلة، والواقعة النوحية الماضية كيف يجتمعان في حالة واحدة؟ فلما تفرست منه قلة علمه بالطريق وإنكاره للآية سكت، وقلت في نفسي: كما يقول: أين المدكر {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 16] ؛ يعني: أين من يتذكر كيفية العذاب الواقع؟ ويتفكر في إنزال النذر والمواعظ ويتعظ به.
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17] ؛ يعني: سهلنا لمن لم يكن أهلًا لورود عليه قراءة القرآن على اللطيفة المرسلة المبلغة؛ ليذكروا الآيات التي بيَّنا فيه ويتعظوا بها وينتفعوا بها، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17] ؛ أي: من متعظ بآيات القرآن الذي سيرنا عليها قراءته، {كَذَّبَتْ عَادٌ} [القمر: 18] ؛ يعني: قوى العادة الفانية القالبية كذبت اللطيفة المستخلصة من كدورات الهوى المرسلة، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 18] انظر كيف وصل إليهم عذابي وإنذاري.