فهرس الكتاب

الصفحة 1196 من 1648

{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} [سبأ: 6] من عند الله موهبة منه لا من عند الناس بالتكرار والبحث {ِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [سبأ: 6] من النبوة والقرآن والحكمة {هُوَ الْحَقَّ} وإنما يرون هذه الحقيقة؛ لأنهم ينظرون بنور العلم الذي أريتهم من الحق تعالى، فإن الحق لا يُرى إلا بالحق كما أن النور لا يُرى إلا بالنور، ولما يرى الحق بالحق كان الحق هاديًا لأهل الحق وطالبيه إلى طريق الحق، وذلك قوله تعالى: {وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6] لأنه لا يوجد إلا به وبهدايته الحميد؛ لأنه لا يرد الطالب بغير وجدان كما قال:"ألا من طلبني وجدني"

ثم أخبر عن منكري البعث من الكفار بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [سبأ: 7] بالاستهزاء {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] يشير إلى أن تراكم الغفلة على القلوب وظلمات الشهوات النفسانية وغلبات الصفات الذميمة الحيوانية إذا استولى بظلمات صفات النفس ويقسو حتى ينسى الله وينسى عالم الأرواح الذي هو الآخرة كالطفل الصغير يسير إلى بعض البلاد فينسى وطنه الأصلي بحيث لو ذكر به لم يتذكر كذلك نفس الإنسان القاسي قلبه إن ذكر الآخرة، وهي وطنه الأصلي لم يتذكر ويكفر به.

ويقول مستهزئًا به: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] ويتعجب من هذا الكلام ولا يتفكر أن أجزاءه كانت ممزقة حين هو ذرة أخرجت من صلب آدم وكيف جمع الله ذرات شخصه المتفرقة، وجعلها خلقًا جديدًا كذلك يجمع الله أجزاءه الممزقة للبعث ويقول منكرًا متعجبًا: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] .

وقال تعالى: {بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [سبأ: 8] من الغفلة وكثرة الحجب {فِي الْعَذَابِ} من العمى والصم {وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ} هو البعد عن الحضرة {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السَّمَاءِ} [سبأ: 9] سماء القلب {وَالْأَرْضِ} [سبأ: 9] أرض النفس ما بين أيديهم من صفات القلب وما خلفهم من صفات النفس {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ} [سبأ: 9] أرض البشرية بغلبات صفاتهم {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ} [سبأ: 9] أي: نقلب عليهم صفة من صفات القلب ونهلكهم بها؛ لأن كل صفة من صفات القلب وإن كانت حميدة، فإذا جاوزت حدها تؤول إلى الصفة فتصير ذميمة كالسخاوة، فإنها حميدة من صفات القلب فإذا جاوزت حدها يكون تبذيرًا وهي ذميمة {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27] .

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [سبأ: 9] راجع إلى الله يرى الآيات بنور الله عن فضله بعد أن أخبر عن عدله بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10] يشير إلى داود الروح والفضل الذي أعطاه منه هو الفيض الإلهي بلا واسطة ولما ذكره بلفظ النكرة فضلًا يدل على أنه أعطاه شيئًا من الفضل وهو مما يتعلق به تعالى؛ إذ قال: {مِنَّا} وهو الفيض كما ذكرنا، والفرق بينه وبين نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فضله في حق داود عليه السلام على صيغة النكرة وهي تدل على نوع من الفضل، وقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت