{وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل، وكذلك قوله {فَضْلُ اللَّهِ} [النساء: 113] لما أضاف الفضل إلى الله اشتمل على جميع الفضل كما لو قال: أخذ دار فلان اشتمل على جميع الدار.
وبقوله: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] يشير إلى أن الذكر من اللسان يعبر إلى أن يصل إلى الروح ويصير الروح ذاكرًا لله، فعلى مقتضى كرم الله وسنته بقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] بذكر الله ولما تنور الروح بنور ذكر الله إياه ينعكس النور من داود الروح على جبال النفس وطير القلب فتصير ذاكرًا لله ومذكورًا له، ثم بالمداومة ينعكس نور الذكر من النفس على البدن فيستوعب جميع أجزاء البدن ظاهرها وباطنها، ثم ينعكس من أجزاء العنصرية على العناصر الأربعة مفردها ومركبها وينعكس من النفس على النفوس أعني الإنسانية والنفس الحيوانية والنفس السماوية والنفس النجومية ينعكس نور الذكر من الروح الإنساني على عالم الأرواح إلى أن يستوعب جميع العالم ملكه وملكوته، فيذكر العالم بما فيه موافقة للذاكر وإلى هذا المقام أشار بقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] .
ثم يعبر الذكر عن المخلوقات ويصعد إلى رب العالمين، كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] فيذكره تعالى كما يذكره الذاكر، ففي هذا المقام يتصف العبد بصفة الرب ويتخلق بخلقه في الذاكر به والمذكور به، فكما أنه تعالى يكون الذاكر والمذكور يكون العبد أيضًا ذاكرًا ومذكورًا تفهم إن شاء الله وتؤمن به، فتحقيق هذا المقام يعلم حقيقته.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10] أنه هو مذكور به الحق تعالى، وينبئ عن هذا المعنى قوله: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] يشير بالجبال إلى عالم الملك وبالطير إلى عالم الملكوت، وبقوله: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] يشير إلى إلانة قلبه.