فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1648

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] ، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقة؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى.

ثمأ خبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] ، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم:"موتوا قبل أن تموتوا"أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180] ، وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، {وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] ، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشروب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانينة، {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180] ؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبًا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بعثت لرفع العادات وترك الشهوات"وقال صلى الله عليه وسلم:"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربًا واحدًا، والمذاهب مذهبًا واحدًا، كما قيل:

وكلٌّ لهُ سؤالٌ ودينٌ ومذهبُ ... ووصلكم مسئولي وديني هواكمُ

وأنتمُ من الدنيا مرادي وهممي ... مناي مناكم واختيار رضاكمُ

وقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] ؛ يعني: ما ذكرنا من الصوية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت