{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] ، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما يقتضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعًا ومطلوبه أمرًا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى.
ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال:"من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته"وفي قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178] ، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] ، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، {هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء {ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ} [البقرة: 178] ، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلباب الحياء {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] ، فإن الكفران عواقبه وخيمة.