فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1648

فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش.

ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظاهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ} أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ} فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبًا لمحبة، كما عبر عن هذا بقوله: {وَيُحِبُّونَهُ} فشاهد بذلك النور محبوبة وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك {وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ} وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث:"إن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السما: إن الله أحب فلانًا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء"وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدًا، فافهم جدًّا.

قوله تعالى: {وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سُئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية {ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177] ، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق {وَالْيَتَامَى} [البقرة: 177] ، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية {وَالْمَسَاكِينَ} [البقرة: 177] ، وهي الأعضاء والجوارح {وَابْنَ السَّبِيلِ} [البقرة: 177] ، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما {وَالسَّآئِلِينَ} [البقرة: 177] ، وهم الدواعي الحيوانية، والروحانية {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهد {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} [البقرة: 177] ، والمحاضرة مع الله بالله {وَآتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177] ، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [البقرة: 177] ، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ} [البقرة: 177] ، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق {والضَّرَّآءِ} [البقرة: 177] ، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود {وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177] ، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177] ، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت