{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] ، فافهم جدًّا.
ولقوله صلى الله عليه وسلم:"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جنهم"يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] ، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ، {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] ، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير.
ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 175] ، إلى قوله تعالى: {شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم:"إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" {وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] ، الهجران في دركات الخذلان والخسران {ذَلِكَ} [البقرة: 176] ، المداهنة منهم {بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا} أي: داهنوا {فِي الْكِتَابِ} [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونًا بعيدًا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل"