فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 1648

{وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ} [المائدة: 71] ، عبادة الهوى وتكذيب الرسل وقتلهم {فِتْنَةٌ} [المائدة: 71] ، عليهم وإن سألوا عقوبتها عاجلًا دون أجلًا {فَعَمُواْ} [المائدة: 71] ، بعيون القلوب عن شواهد الحق {وَصَمُّواْ} [المائدة: 71] ، بآذان القلوب عن استماع الإلهامات وإحساس الواردات عقب غلبة الهوى، وتكذيب الرسل وقتلهم عقوبة لذلك عاجلًا {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 71] ؛ أي: على بعضهم من قابل التوبة وأهل الرجوع إلى الحق {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} [المائدة: 71] ؛ يعني: بعضهم ممن لم يكونوا قابلي التوبة وأهل الرجوع، كما بين وقال: {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ} [المائدة: 71] ، في الأزل بتقدير {بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 71] ، اليوم من الخير والشر، فقدر ما شاء كما شاء لمن شاء، فيجازيهم ما يشاء ومهما يشاء.

ثم أخبر عن بعض ما قدر لمن قدر كيف قدر بقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72] ، إشارة أن النصارى لما أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بعدم العقل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات؛ فانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن إدراك الأنس هيهات هيهات، وهو حال من يقفوا أثرهم فأطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل في أمره، فوجدوا مولودًا من أم بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا أب، فينبغي أن يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر عما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله، ولو لم يكن المسيح ابن الله لما أمكنهم هذا، وإنما أمكنه لأن الولد سرُّ أبيه، وقال بعضهم: إن المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حلَّت لاهوتية الحق في مكان ناسوتيته؛ فصار هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرًا، ثم اعلم أن أمة محمدًا صلى الله عليه وسلم لما سلكوا طريق الحق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الحبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال، كما كان حال الشبلي - رحمه الله - حين غسل كتبه بالماء فكان يقول: نعم الدليل أنتم، ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال، فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بأنوار صفات الجمال أن الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر المخلوقات، وهي فيض نور الإلوهية بوساطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال؛ فيتحقق لهم أن عيسى عليه السلام لما صار قابلًا بعد التزكية والتخلية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ أعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقين حضرة الألوهية، وهذا كما أن لكرة البلور المخروط استعداد في قبول فيض الشمس إذا كانت في محاذاتها، فتقبل الفيض وتحرق اللوح المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرًا ومنشأ الصفة المحرقية حذرة الشمس حقيقة؛ فصارت الكرة بحسن الاستعداد قابلة للفيض والظهر منها صفات الشمس، وما حلت الشمس في كرة البلور تفهم إن شاء الله وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت