ثم أخبر عن إعجاز القرآن بالبرهان بقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} [الإسراء: 45] يشير إلى أن من قرأ القرآن حق قراءته ارتقى إلى أعلى المراتب كما قال صلى الله عليه وسلم:"يقال - يعني: لصاحب القرآن - اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها".
قال أبو سليمان الخطابي:"جاء في الأثر أن عدد أي القرآن على عدد درج الجنة فمن استوفى جميع آب القرآن استولى على أقصى درج الجنة".
قلت: واستيفاء جميع آي القرآن في الحقيقة هو التخلق بأخلاق القرآن، فالقرآن من أخلاق الله وصفاته والمتخلق بأخلاقه يكون متخلقًا بأخلاق الله، وهذا يكون بعد العبور عن حجب الظلماني والنوراني متمكنًا {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] فهو الذي جعل بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا.
وإنما قال: {حِجَابًا مَّسْتُورًا} [الإسراء: 45] ولم يقل ساترًا؛ لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل بالحداب مستورًا عن المنقطع، والله أعلم.
وفي قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْ آنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46] إشارة إلى انحراف مزاج قلوب أهل الشرك وحصول المرض فيها وإزالة الصحة والسلامة عنها إذ يتفرقون عند استماع ذكر الواحد الأحد بالوحدانية والوحدة ولا يجدون حلاوة التوحيد؛ بل يجدون فيه المرارة لسوء المزاج.
{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47] لأنا خلقناهم مستعدين لذلك كقوله: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] وأنهم يستمعون بالهوى فيسمعون الأساطير والسحر والشعر، ولو استمعوا بالله لاستمعوا كلام الله وصفاته {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء: 47] .