فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 1648

ثم أخبر عن التوسل والتوكل بقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61] إلى قوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] الإشارة فيه: {وَإِن جَنَحُواْ} أي: النفس وصفاتها لتسلم بينها وبين القلب والروح {فَاجْنَحْ لَهَا} وذلك أن النفس لما رأت صدق الطالب الصادق في الصدق وشاهدت جده في الاجتهاد، وتحقق عندها ثباتها على مخالفتها، ومواظبته في العبودية، وتألفت مع الطاعات والعبادات، فتنور بأنوارها وتنقاد لأحكام الشريعة، وتزكى بتزكية الطريقة، وتتنسم روائح الحقيقة، وتطمئن إلى ذكر الله تعالى، فحينئذ يجوز مصالحتها على القيام بأداء الأوامر والنواهي والفرائض والسنن وترك الدنيا وزينتها وشهواتها على تبديل الصفات النفسانية الحيوانية بالأخلاق الروحانية الربانية، وألاَّ يحمل عليها إصرًا من دوام المجاهدة والرياضة البدنية ولكن مع هذا لا يعتمد على النفس وصلحها، بل يكون الطالب متيقظًا محتاجًا متوكلًا على الله تعالى في مراقبتها؛ لئلا تخدعه وتمكر به، ولهذا قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: ثق بلطفه وكرمه ولا تثق بالنفس وخديعتها ومكرها، {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} [الأنفال: 61] لما دعوته إليه في رعايتك من خداع النفس ومكرها، {الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] بمكائدها، ومنعها منها، {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ} [الأنفال: 62] يعني: النفس والشيطان والدنيا.

{فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ ِالَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] أي: وأيدك بالروح والقلب وسر المؤمنين وألَّف بين الروح والقلب والسر والمؤمنين، {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] يعني: ألَّف بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها، {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [الأنفال: 63] يعني: في أرض وجودك من السعي والجد والاجتهاد، {مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] أي: بينهم لما فيهم من التضاد الروحاني والنفساني الظلماني، {وَلَكِنَّْ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] بالقدرة الكاملة والحكمة البالغة، {إِنَّهُ عَزِيزٌ} [الأنفال: 63] لعزته ألَّفَ بين الروح والنفس والقلب والقالب؛ ليكون الشخص الإنساني طلسمًا على كنز وجوده، {حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] فيما حكم ووتر بكسر الطلسم والوصول إلى كنز، {يأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} الأنفال: 64] مطلوبًا ومقصودًا ومعبودًا ومحبوبًا، {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] أي: لمتابعيك المخصوصين بالاتباع الحقيقي بأن يكون مطلوبهم ومحبوبهم الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت