{الم} [الروم: 1] يشير بالألف إلى ألفة طبع الموضع بعضهم لبعض، وباللام يشير إلى أن ألفة المؤمنين لما كان من كرم الله وفضله بالله ألف بين قلوبهم انتهت إلى غاية حصلت ألفة ما بينهم وبين أهل الكتاب إذا كانوا يومًا من أهل الإيمان وإن كان اليوم خاليًا عن ذلك، وإنه لو عم الكافرين لما كان جليًّا غلب عليهم حتى من لؤم طبعهم أنهم يعادون بعضهم بعضًا، وأن مغفرة رب العالمين لما كانت من كرمه العميم وإحسانه القديم انتهت إلى غاية شملت الفريقين ليتوب على العاصي من الحزبين ويعم الطائفتين خطاب: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] .
وبقوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 2، 3] يشير إلى إعجاز القرآن وصحة نبوة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخبر عن حال غيبي، وأنه جاء كما أخبر بعد سبع سنين، وفيه إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بحسب الأوقات، ففي بعض الأحوال يغلب فارس النفس على روم القلب للطالب الصادق فينبغي ألا يزل هذا قدمه عن صراط الطلب ويكون له قدم صدق عند الله بالثبات.
{وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] أي: سيغلب روم القلب على فارس النفس بتأييد الله ونصرته {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 4] من أيام الطلب {لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] يعني: غلبة فارس النفس على روم القلب كان أولًا بحكم الله وتقديره، وله في ذلك حكمة بالغة في صلاح الحال والمآل ألا ترى أن فارس نفس جميع الأنبياء والأولياء في البداية غلبت على روم قلبهم ثم غلبت روم قلبهم على فارس نفسهم ومن بعد غلبة روم القلب على فارس النفس أيضًا يحكم الله فإنه يحكم فلا معقب لحكمه.
{وَيَوْمَئِذٍ} [الروم: 4] يعني: يوم غلبت الروم {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 4] يعني: الروح والسر والعقل {بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: 5] المؤمنين على الكافرين {وَهُوَ الْعَزِيزُ} [الروم: 5] فبعزته يعز أولياءه ويذل أعداءه، {الرَّحِيمُ} [الروم: 5] برحمته ينصر أهل محبته وهم أرباب القلوب {وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّْ أَكْثَرَ النَّاسِ} [الروم: 6] من نسي ألطافهم معهم.
{لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] صدق وعده ووفاء عهده لأنهم، {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7] يجدون ذوق حلاوة شهوات الدنيا بالحواس الظاهرة {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ} [الروم: 7] كمالاتها ووجدان دون شهواتها بحواس الباطلة أنها موجبة للبقاء الأبدي وأن عسل شهوات الدنيا مسموم يُهلك {هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] لاستقرائهم في بحر البشرية وتراكم أمواج أوصافها الذميمة.