{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ} [العنكبوت: 68] النفس {مَثْوًى} [العنكبوت: 68] محبس {لِّلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] أي: لكافر نعمة الدين والإسلام والشريعة والطريقة بما يفترون ويدعون بلا معين القيام كذابين في دعواهم، وقد وعد الله الصديقين المجاهدين بما وعدهم بقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] أي سبل وجداننا كما قال:"ألا من طلبني وجدني ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا. . ."الحديث"."
وقد قالت المشايخ: المجاهدات تورث المشاهدات، ولو قال قائل: ما للوهابيين والبراهمة والفلاسفة أنهم يجاهدون النفس حق جهادها، ولا يورث لهم المشاهدات؟
قلنا: لأنهم أقاموا بالمشاهدات فجاهدوا وتركوا الشرط الأعظم منه وهو قوله: {فِينَا} أي: خالصًا وهم جاهدوا في الهدى والدنيا والخلق والرياء والسمعة والشهوة وطلب الرئاسة والعلو في الأرض والتكبر على خلق الله فأما من جاهد في الله جاهد أولًا بالتنقية من شواغل القلب على جميع الأوقات وتخليته عن الأوصاف المذمومات تصفية للقلب، ثم بترك الالتفات إلى الكونين وقطع الطمع عن الدارين تحلية للروح، {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ} في قطع النظر عن الأغيار بالانقطاع والانفعال لنهدينهم سبلنا بالوصول والوصال.
ثم اعلم أن الهداية على نوعين: هداية تتعلق بالمواهب فمن وهبه الله، فهي سابقة والتي تتعلق بالمكاسب فمن كسب العبد وهي مسبوقة ففي قوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} [العنكبوت: 69] إشارة إلى أن الهداية الموهبة سابقة على جهد العبد وجهده ثمرة تلك البذرة، فإن لم يكن بذر الهداية الموهبة مزروعة بنظر العناية في أرض طينية العبد لما نبت منها حضرة الجهد، ولو لم يكن المزروع مزكى بسقي جهد العبد لما أثمر ثمار الهداية المكتسبة.