فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 1648

ثم أخبر أن الوصول في طاعة الرسول بقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ، إشارة في الآيتين: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوصف بالفناء، فنيًا في الله باقيًا بالله قائمًا مع الله، وكان خليفة الله على الحقيقة فيما يعامل الخلق، حتى قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّْ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ؛ يعني: {وَمَا رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] ، من حيث كنت بك أنت، {إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] ، بخلافة الله بالله لا بك، {وَلَكِنَّْ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، إذا كنت به أنت، وكان الله خليفته فيما يعامل الخلق حتى قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] ؛ لأن الله بخلافتك باق عنك، فبكونه كان خليفة بك عنك للخلق فكانت {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ؛ لأن الرسول فانيًا عنه باقيًا باقيًا بالله والله خليفته؛ ولهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم:"الله خليفتي على أمتي"، {وَمَن تَوَلَّى} [النساء: 80] ؛ يعني: عن طاعة الرسول فقد تولى عن الله تعالى: {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] ؛ أي: حافظًا، فإنك لست بذلك حافظًا فكيف لهم؟ فإنهم تولوا عني ولا عنك فإنما على حسابهم لا عليك لقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم} [الغاشية: 21 - 22] ، إلى آخر السورة.

وفي قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81] ، إشارة إلى أحوال كثير مريدي هذا الزمان، إذا كانوا حاضرين في الصحبة ينعكس عليهم تلالًا من أشعة أنوار الولاية في مرآت قلوبهم، فيزدادون إيمانًا مع إيمانهم، وإرادة مع إرادتهم، فيصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ السحنة، {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] ، ويقولون السمع والطاعة فيما يسمعون ويخاطبون به، {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 81] ، وهبت عليهم رياح الهوى والشهوة والحرص، وتمايلت قلوبهم من مجازاة القرار على الولاية، وعاد المشئوم إلى طبعه {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 81] ؛ أي: تقدر وتقرر مع نفسه، {غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ} [النساء: 81] ، يغير عليهم {مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81] ؛ أي يعيرون على أنفسهم؛ لأن {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 81] ؛ أي: فأصفح عنهم وأصبر معهم، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 81] ، لعل الله يصلح بالهم ولا يجعل التغيير وبالهم، ويحسن عاقبتهم ومالهم، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81] ، للمتوكلين عليه والملتجئين إليه.

ثم أخبر عن الدواء كما أخبر عن الداء بقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] ، والإشارة فيها: إن العباد لو لم يتدبرون ويتفكرون في آثار معجزاته وأنوار هدايته، ومظهر آياته وكمال فصاحته، وجمال بلاغته وجزالة ألفاظه، ورزانة معانيه ومتانة مباينه في أسراره وحقائقه، ودقة إشاراته ولطائفه، وأنواع معالجاته لأمراض القلوب في إزالة ضرر الذنوب {لَوَجَدُواْ فِيهِ} [النساء: 82] ؛ لكل داء دواء ولكل مرض شفاء، ولكل عين قرة ولكل وجه غرة، والرد الحاسبة موصوفًا بالصفاء محفوظًا عن العداء، بحرًا لا ينفض عجائبه، وبرًا لا ينتفي غرائبه، روحًا لا تباغض فيه ولا خلاف، وجنة لا انتقاض فيها ولا اختلاف، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، ولم يوجد فيه نقيرًا وقمطيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت