يا أيها المتكاثر المتفاخر بكثرة القبائل والعشائر، اللاهي بالأموات في المقابر عن الحي الذي يطَّلع على الصغائر والكبائر، اعلم أن قالبك قبرك المدفون والقوى التي تتشعب من قالبك هي قبائلك وعشائرك القريبة إلى نفسك الأمارة، ونفسك أبدًا تتفاخر بتلك القوى، وبها تستمد وتبارز القوى القلبية والروحية، وتشتهي أن تغلب عليها وتباشرها وتستخدمها القوى القالبية، وتسترد فيها القوى النفسية، فإذا انتشرت من غير قالبك وحشرت في الموقف العظيم وشاهدت القوى القلبية والروحية؛ أي: لما يخاصمونك، والحق يأخذ بظلمك الذي ظلمت عليه، ولا مفر ولا مهرب [من] عذبه لا يعذب بها أحد إلا الذي كان عمله مثل عملك؛ ولأجل هذا قال في كتابه تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 1 - 3] بعد النشر.
{ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 4] ما في الموقف {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 5] اليوم ما ادخرتم لأنفسكم من العذاب المهين، {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [التكاثر: 6] التي استقررتموها بظلمكم على القوى القلبية والروحية.
{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 7] ما كوشفتم من قبل بعلم اليقين، {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] القالبي العاجلي الفاني، الذي ألهاكم عن النعيم الآجل الباقي للسالك إذا اشتغل بالسلوك يكشف عليه أحوال الموت والقبر، والنشر والحشر، والموقف والحساب، والصراط والجنة والجحيم بطريق المكاشفة، بحيث يراها علم اليقين، ثم إذا أشرقت أرضها باطنة بتولد ربه، يشاهد بعين اليقين جميع ما يكاشف به بطريق اليقين.
وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"ومن به يطلع اليوم على أحواله يعسر عليه الأمر غدًا جدًا، ولا تنفعه الحسرة حقًا، ولا يزيد إلا عذابًا صعدًا.
فاجتهدوا أيها الساعين في كشف غطائكم بذكر ربكم، {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5] ، أما تسمعون ما يقول ربكم تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] .
واعلم أن في قالبك أربع قيامات: ترابية ومائية وهوائية ونارية، فاجتهد اليوم في الذكر فربما تشاهد هذه القيامات قبل أن تقوم القيامة الوسطى والكبرى، وتقف في هذه المواقف في القيامة الصغرى وتحاسب نفسك فيها وتتخلص فيها؛ لئلا تعد في القيامة الوسطى ولا الكبرى بعد نزع الآلات والأدوات والاستعدادات والأقاويل عليك، [و] الملاهي بالباطل عن الحق الغافل عن الموت، الشاغل قواك باللهو والهزل، المشتغل بالأموات المشتغل في صدرك سمات حسرة الفوت.
اللهم نبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من المستيقظين.