ثم أرشدهم إلى سبيل المؤمنين وأخلاق الموحدين بقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَآؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ} [النساء: 22] ، إشارة في الآيتين: أن الله تعالى أراد أن يطهر نفس المؤمن بأن ينفي عنها موجبات المقت وسوء السبيل؛ وهي الفواحش استطابة للجوهر الآني، واستنارة للنور الرباني؛ لأنه خلق لحمل أعباء أمانة المعرفة بحبل المحبة، ولا سبيل إلى المعرفة إلا بالوصول إلى المعروف، ولا يمكن التحلية بالوصول إلى بعد التزكية عن مانع الوصول وهي لوث أوصاف الوجود،"فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"، ولذلك نهاهم عن نكاح المحارم، {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَآؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] .
وفيه إشارة أخرى وهي: أن العلويات وهي الآباء، والسفليات وهي الأمهات، وبازدواجهما خلق الله تعالى المتولدات منهما فيما بينهما، ففي قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَآؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ} [النساء: 22] ، إشارة إلى نهي التعلق والتصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباءكم العلوية، {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] من التدبير الإلهي، وازدواج الأرواح والأشباح بالحاجات الضروريات الإنساني منشئته منه، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] ؛ يعني: التصرف في السفليات والتعلق بها والركون إليها، مما يلوث الجوهر النوراني بلوث الصفات الحيوانية ويجعله سفلي الطبع بعيدًا عن الحضرة، محبًا للدنيا ناسيًا للموت ممقوتًا للحق، {وَسَآءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] إلى الهداية بالضلالة.
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] ، الآية فيها كلها إشارات إلى نهي التعلق ومنع التصرف في الأمهات السفليات، والمتولدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان وأخلاق السوء، وترك الشهوات الدنيوية واللذات الحيوانية والتمتعات الجسمانية، والاجتناب عن المكائد الشيطانية، والإيذاءات السبعية، فإن تزكية النفس بالاحتراز عن هذه الآفات والمتعلقات، وتصفية القلب منها موجبة للتحلية بالأخلاق الروحانية والأوصاف الربانية، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا} [النساء: 23] يستر بأنوار غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية، التي تتولد من تعرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع، {رَّحِيمًا} [النساء: 23] فيما اضطرهم من التصرفات بقدر الحاجة. الضرورية.