{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [الصف: 6] يعني: اللطيفة الخفية {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ} [الصف: 6] الخفية التي شاهدتها القوى النفسية والقالبية المؤمنة باللطيفة السرية {قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6] أنكرتها وقالت: هذا يسحر بأعيننا وليس لهذه الآيات حقيقة وهذه الأحوال تظهر للسالك بعد عبوره على الحَجْبَات القالبية والنفسية والقلبية والروحية ووقوفه في تلك المواطن حتى يرسل الله اللطيفة الخفية لترقيها من ذلك المقام، ويدخلها في عالم الخفي ودعتها اللطيفة الخفية إلى الحق بالصحيفة الخفية التي هي مصدقة للصحف الروحية والسرية والقلبية والنفسية والقالبية، ويبشرهم باللطيفة الخفية التي هي أحمد اللطائف لحقها، وأشكرهم على نعم الحق، وأعظمهم قدرًا، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم على الله وأحبهم عنده، وهي اللطيفة المقصودة التي لولاها لما خلق الدنيا والعقبى، فأنكرت القوى النفسية والقالبية اللطيفة الخفية؛ لوقوفهم على ترك شهواتهم التي هي صارت عادتهم إذا صدقوا اللطيفة الخفية، واستدلوا بالسلوك؛ لأن العبادة ترك العادة، فالواجب على السالك في هذا المقام أن يترك جميع عباداته النافلة بأمر مسلكه؛ ليسهل عليه التجاوز عن هذه المرتبة {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ} [الصف: 7] يعني: من أظلم ممن ادعى التسليم لأوامر اللطيفة المرسلة، وترك عاداته للترقي من مقامه، يفتري علي الكذب، ويقول للطيفة المرسله ما أنت برسول صادق؛ بل أنت ساحر كذاب تريد أن تصدنا عن طريقتنا، وتخرجنا عن ملتنا، وملة آبائنا وأمهاتنا السفليات {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف: 7] الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء على رسلهم والاستهزاء بالوارد الذي ورد على اللطيفة المرسلة {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ} [الصف: 8] يعني: القوى التابعة للشهوات على وفق الهوى يريدون أن يطفئوا نور الله اللطيفة الخفية لئلا يظهر {بِأَفْوَاهِهِمْ} [الصف: 8] يعني: بافترائهم وكذبهم وأكلهم الشهوات على وفق هواهم {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8] يعني: مظهر نور اللطيفة الخفية {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] من القوى التابعة للطائف ثم الهادية عن الجهاد البالغة للشهوات المشتغلة بالحظوظ العاجلة الغافلة عن ذكر الرب الكافرة نعم مشاهدة الآيات الأنفسية {هُوَ ِالَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] يعني: هو الذي خلقكم وهداكم إلى السلوك بأمر اللطائف المرسلة إليكم يرسل رسوله الكريم، وهو اللطيفة الخفية الداعية إلى الحق المعلمة أمر التقويم والتصقيل والتوجيه للمرأة التي هي منظورة الحق على وجه يمكن إكمال المرأة به، ويجعلها مستحقة لأن ينظر إليها الله تعالى بنظر جلاله وجماله ويشاهد فيها ذاته وصفاته وأفعاله وآثاره على وجه التفضيل؛ ولهذا السر أظهر هذا الدين على الأديان كلها، وسنحت الشرائع بشريعتها الزهري، ولو كره المشركون الذين أشركوا بالله بإثباتهم اللطائف بالنبوة والقوى القابلة والفاعلة بالشركاء لله، تعالى عما يقول المشركون والكافرون علوًا كبيرًا هو الله الواحد الأحد الصمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا خلق القوى القابلة بنظر ربوبيته، وخلق القوى الفاعلة بنظر ألوهيته وأزوج بينهما بحكمته، وأخرج من بينهما ذريته ليكونوا مظاهر لطفه وقهره، وهو الغالب على أمره بفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد في ملكوته.