ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] ، إشارة أن الله تعالى خلق الإنسان لدخول الجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، والوصول على حظائر القدس والقربة ومقاماتها، ثم أرسل المرسلين مبشرين بالجنة ومنذرين عن النار، وخص من بينهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه فقال تعالى: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} [الأحزاب: 46] ، فحثهم بالاتقاء والحذر من النار كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] ؛ يعني: هم مخصوصون بها؛ لأنهم ما اتقوا عن الشرك ومتابعة الهوى، فإن ترك الهوى ينجي به من النار وهو التوحيد والائتمار بأوامر الله تعالى، والانتهاء عن نواهيه.
وحرضهم عن المسارعة إلى الجنة بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] ؛ أي: سارعوا بقدم التقوى إلى مقام من المقامات قرب ربكم، {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [آل عمران: 133] ، والإشارة فيها: إن الوصوص إليها بعد العبور عن ملك السماوات والأرض وهي المحسوسات التي تدركها الحواس الخمس، والعبور عنها إنما يكون بقدم التقوى الذي هو تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] ، فإن التقوى التي تولج به في عالم الملكوت هي التزكية لقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [طه: 76] ، وذلك جزاء من تزكى، ويدل عليه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى عليه السلام:"لن يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين"، فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها، وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية، فافهم جيدًا.
وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] ؛ أي: هم مخصوصون ومراتبهم في الدرجات العلا بقدر تقوى النفوس وتزكيتها.
ثم شرح أقسام التقوى والتزكية بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ} [آل عمران: 134] ؛ أي: ينفقون أموالهم وأرواحهم في الضراء، بل ينفقون المكونات في طلب المكون، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134] ؛ أي: عند القدرة على إنقاذه لطلب رضاء الله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] ؛ يعني: يصدر منهم برؤية مصدر الأفعال إنه هو الله تعالى، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] ؛ يعني: الذين لهم هذه الأخلاق، {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} [آل عمران: 135] ، وهي رؤية غير الله، {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135] ، وذلك تعلقاتها بما سوى الله، {ذَكَرُواْ اللَّهَ} [آل عمران: 135] ، بالنظر إليه ورؤيته، {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135] ، التجئوا إليه في قطع التعلقات عما سواه، {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران: 135] ؛ أي: ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار إلا الله، {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ} [آل عمران: 135] ، ولم يثبتوا على رؤية الوسائط والتعلق بتا، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] ،"ألا إن كل شيء ما خلا الله باطل".