فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 1648

ولهذا قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} [البقرة: 165] ، {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه معنى آخر أن الله يراهم حاصل الأعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات الرفيقة ليزيدهم حسرات:

أَيُّها القانِصُ ما أَح ... سَنتَ صَيدَ الظَبَياتِ

فاتَكَ السِربُ وَمازُو ... وِدتَ غَيرَ الحَسَراتِ

{وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] ، الحسرة والقطيعة أبد الآباد.

ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] ، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبًا بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى: {يأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] ، وقال: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، والإشارة فيه أن العمل الصالح نتيجة أكل الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالًا على ما أدلنا هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51] ، وقال: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ،"ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك"ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ} [البقرة: 169] ، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168] ، واتبعوا أوامر الله ورسوله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] .

ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} [البقرة: 169] ، النفس {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] ، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] ، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت