{أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28] ، وبقوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] ، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] ، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: {يُحِبُّهُمْ} للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادًا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يتخص جارحة ... أكلي إليك على الحالات مشتاق
{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم {أَنَّ الْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعًا} أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعًا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: 166] ، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلومة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى: {يالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38] ، وقوله تعالى: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] .
وقوله تعالى: {وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} [البقرة: 166 - 167] ، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] ، وقال تعالى: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.