فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 1648

فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] ، إلى: {يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] ، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتعبية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لولاك لما خلقت الأكوان"وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] ، وهذا تحقيق قوله"من عرف نفسه فقد عرف ربه"لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، فافهم جدًّا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.

ومما يدل على أن خلق السماوات الأرض وما بينهما تبع الخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله"يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض، لأن وجدوهما كان تبعًا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.

ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا} [البقرة: 165] ، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلًا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدًا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:"كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت