وبقوله: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ، يشير إلى أن حقيقة الإيمان ليست مما يتناول باللسان بل هو نور يدخل القلب إذا شرح صدر العبد للإسلام، كما قال تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22] ، وقال صلى الله عليه وسلم في صفة ذلك النور:"إن النور إذا وقع في القلب انفسح له واتسع"قالوا: يا رسول الله هل لذكرك النور من علامة يعرف بها؟ قال:"بلى التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت"، ولهذا قال تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، فهذا دليل على أن محل الإيمان القلب.
واعلم أن الإيمان حياة القلب ولهذا سمى الله تعالى من لا إيمان له بالميت بقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النفوس.
{وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الحجرات: 14] في الأوامر والنواهي، فقد ذبحتم النفوس بسيف الصدق، {لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [الحجرات: 14] في ذبح النفوس {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [الحجرات: 14] ، لمن يهادن النفس في أثناء السلوك؛ لترعى في بعض مراتعها لئلا تزاحم القلب في طلب مقاصده، {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 14] به.
ثم أخبر عن المؤمن الحقيقي بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 15] ؛ أي: شاهدوا الله بنور الله فأمنوا برسوله، {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} [الحجرات: 15] ، لم يشكوا فيما شاهدوا بنور الله؛ إذ لم تحجبهم أنفسهم وأموالهم عن نور الله؛ لأنهم خرجوا من حجب النفس والمال، {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحجرات: 15] ببذلها في طلب الله، {َأُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] ، الذين صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فلما جعل الإيمان مشروطًا ببذل المال والنفس، فذكر بلفظ إنما وهي التحقيق يقتضي الطرد والعكس، فمن أفرد الإيمان عن الشرائط التي جعلها له فمردود عليه قوله.