فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 1648

ثم أخبر عن إحسانه مع أهل الإيمان والعرفان بقوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّْ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] نفى عن الصحابة القتل وبالكلية، وأحال القتل إلى نفسه تعالى بقوله: {وَلَكِنَّْ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} ؛ لأنه تعالى كان مسبب أسباب القتل من إمداد الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار، وتقوية قلوب المؤمنين بتثبيت أقدامهم، وإذهاب رجز الشيطان عنهم، وربط الصبر على قلوبهم، فالفعل يحال إلى السبب والمسبب كقولهم: القلم يكتب مليحًا، وهو السبب، والكاتب يكتب مليحًا، وهو المسبب للكتابة.

وقال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّْ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] ثم أثبت له الرمي بقوله: إذ رميت، ثم نفى عنه بقوله: {وَلَكِنَّْ اللَّهَ رَمَى} أثبت الرمي لنفسه تعالى، والفرق فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة نفي القتل عن الصحابة بالكلية، وأحاله إلى نفسه تعالى فجعلهم سببًا للقتل وهو المسبب، وهاهنا ما نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية؛ بل أسند إليه الرمي ولكن نفى وجوده بالكلية في الرمي وأثبته لنفسه، وما رميت بك إذ رميت ولكن رميت بالله وذلك في مقام التجلي، فإذا تجلى الله لعبد بصفة من صفاته يظهر على العبد منه فعل يناسب تلك الصفة كما كان من حال عيسى عليه السلام، فلما تجلى له بصفات الإحياء كان يحيي الموتى بإذنه أي: به، وهذا كقوله تعالى:"كنت له سمعًا وبصرًا. . . الحديث"فلما تجلى للنبي صلى الله عليه وسلم بصفة القدرة كان يرمي به حين رمى وكان يده يد الله في ذلك لمَّا كشف الغطاء عن هذه الحقيقة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] .

ثم أخبر الله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} [الأنفال: 17] اي: لينعم عليهم مما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من إظهار القدرة بالرمي بأن يهديهم إلى هذا المقام الكريم، فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام إذ لهم في رسول الله أسوة حسنة، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [الأنفال: 17] أي: مجيب لدعائهم عند طلب هذا المقام، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] بنياتهم فيما يطلبون منه.

{ذالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] أي: ذلك الإبلاء مما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالله وقدرته؛ ليعلموا أن الله مضعف مبطل يد كفار النفوس واستيلاء صفاتها بالتجلي، ثم قال تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19] أي: إن تفتحوا قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي فقد جاءكم الفتح بالتجلي، فإن الله متجل في ذاته أزلًا وأبدًا فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فإنهم عند انغلاق أبواب قلوبهم إلى الله محرمون عن التجلي وعند انفتاح أبوابها محظوظون به، ثم قال تعالى: {وَإِن تَنتَهُواْ} [الأنفال: 19] أي: عن غير الله في طلب الله، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 19] من سواه، {وَإِن تَعُودُواْ} [الأنفال: 19] إلى الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها وزخارفها وإلى ما سوى الله، {نَعُدْ} [الأنفال: 19] إلى خذلانكم ونكفكم إلى أنفسكم وهواها ودواعيها وغلبات صفاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت