{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] ، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، والأخلاق نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة {فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا} [المائدة: 42] ، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداويًا لدائهم إن رأيت التداوي سببًا لشفائهم.
{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] ؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] ، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ.
ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلِكَ} [المائدة: 43] ، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلِكَ} [المائدة: 43] ، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها {وَمَآ َأُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] ، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] ، ثم قال {إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} [المائدة: 43] ، كما أرسلناك هاديًا تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نورًا، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 43] ، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئًا من القرآن: {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} [المائدة: 43] ، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 43] ، فإن الخلق تحت أحكام القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد مؤمنين {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} [المائدة: 43] ، بمعجزاتي مع الأنبياء وبكرامات مع الأولياء {ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة: 43] ، من حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب خسارة الأخرى والأولى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 43] ؛ لأن من اتخذ حكمًا غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليمًا، فلا يخلوا عن شرك خاطر قلبه وكفر قاهر عقله.