ثم أخبر عن إرسال الرسل، وإيضاح السبل بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} [غافر: 78] يشير إلى أن الحكمة البالغة الأزلية اقتضت أنا نبعث قبلك رسلا، ونجري عليهم وعلى أممهم أحوالًا، ثم {نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ} [هود: 120] أنبائهم {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] ونؤدبك بتأديبهم؛ لتتعظ بهم، ولا نقدمك بالرسالة عليهم؛ ليتعظوا بك، فإن السعيد من يتعظ بغيره {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] ؛ لاستغنائك عن ذلك، تحفيفًا لك عما لا يعنيك، وهذه أمارة كمال العناية فيما قص عليه وفيما لم نقصص عليه، وفيه جواب من التمس منه صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآية، فقال: كما أن ذكر الرسل وقصصهم ما كان بالتماس النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإرادة الله، كذلك {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ} [غافر: 78] على ما اقتضت الحكمة والإرادة في إتيان الآية {قُضِيَ بِالْحَقِّ} [غافر: 78] بإتيانها في وقتها وإظهارها على يده كما التمسوها، {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} [غافر: 78] الذين أرادوا إبطال الحق بتكذيب الآيات.
ثم أخبر أنه تعالى أظهر من الآيات لمصلحة عباده، وما لم يظهر أيضًا لم يظهر لمصلحتهم بقوله: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [غافر: 79 - 80] ؛ أي: خلقها لمنافعكم، ولو كان لكم فيها مفاز لم يخلقها ومنافعها {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [غافر: 80] ؛ يعني: خلق الفلك أيضًا لمصلحتكم ومنفعتكم.
وفيه إشارة أخرى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا} [غافر: 79] ؛ أي: خلق النفس البهيمية الحيوانية؛ ليكون مركبًا لروحكم العليا {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} [غافر: 80] من مشاهدة الحق ومقامات القرب {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [غافر: 80] ؛ أي: في صفاتها، وهي الشهوة الحيوانية، ومنفعتها أنها مركب العشق والغضب، وأنها مركب الصلابة في الدين، والحرص مركب الهمة، وبهذه المراكب يصل إلى المراتب العلوية، كما قال: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ} ؛ صفات القلب {تُحْمَلُونَ} ؛ أي: جوار الحق تعالى، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [غافر: 81] بتجلي صفاته {فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ} [غافر: 81] ؛ أي: صفاته {تُنكِرُونَ} [غافر: 81] إذا تجلى بها؛ أي: لا يبقي معها الإنكار والجحود.