ثم أخبر عن ضرب الأمثال بالفضل والأفضال بقوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ} [الروم: 28] يشير إلى الروح والقلب والسر والعقل {مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ} معكم {هَلْ لَّكُمْ} [الروم: 28] يا روح وأتباعه.
{مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [الروم: 28] أي: الأعضاء والجوارح والحواس والقوى التي نسبتها إليكم نسبة العبد مع المولى إلى {مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الروم: 28] كم من العلوم والكشوف والشواهد والمواهب الربانية يشاركونكم فيها، {فَأَنتُمْ فِيهِ} [الروم: 28] وهم في المواهب.
{سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ} [الروم: 28] ألا تضيعوا شيئًا من المواهب بالتصرفات الفاسدة فيها {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} [الروم: 28] يعني: تصفية الروح عن القلب ألا يضيع شيئًا مما أفاض إليه من الفيض الإلهي والمواهب الربانية بأن يصرفها في غير موضعها رياءً وسمعة، وطلب مراد هواه عند إظهار شيء منها وتصفية القلب عن السر والعقل بأن تصرفها فيها بنوع من التصرفات الفاسدة التي تفسد العقائد، وتوقع في الشكوك والظنون الفاسدة والشبهات العقلية وغيرها من الآفات فكما لا يصلح هؤلاء لشركهم؛ لأنكم معهم بمثابة الملوك مع العبد، كذلك هم مع حسن استعدادكم في قبول الفيض الإلهي يا روح وأتباعه لا تصلحون أن تكونوا شركاء في كمالية ذاتي وصفاتي إذا تجليت عليكم، فبسطوات أنوار جمالي وجلالي تنمحي آثار ظلمات أوصافكم وبأنوار صفاتي تشاهدون صفاتي فتسبحوني أن أكون صرت حالًا فيكم، أو صرتم بعضًا مني أو تصيرون أنا، أو أصير أنتم، فإن"الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّار"ومن كبريائي ألا أكون جزءًا لأحد أو مثلًا ومن عظمتي أن لا يكون أحد جزئي ولا مثلي، وأنا الذي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
ثم قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} [الروم: 28] نبينها ونشرحها {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] يفهمون رموزنا وإشاراتنا في تنزيه ذاتنا وصفاتنا عن مشابهته في دعاوى الخلق ومشاكلهم، {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الروم: 29] بوضع الشبهات والحسابات من الدعاوى بالاتصال والاتحاد والحلول في غير موضعها، {أَهْوَآءَهُمْ} حتى قالوا ما قالوا بالهوى، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 29] حقيقي فضلوا بمتابعة الهوى، {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} بالخذلان واتباع الهوى.
{وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الروم: 29] في خلاصهم من خذلان الحق وبقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30] يشير إلى أهل الطلب من المحب الصادق أي: أخلص قصدك إلى الله واحفظ عهدك مع الله، أقم عملك في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك لله حنيفًا مستقيمًا في دينه ثابتًا في التوجه إليه، معرضًا عما سواه والزم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] إذ كنت مع الله بلا غفلة مع غيره مستمعًا لخطابه مصيبًا لجوابه، مشاهدًا لوحدانية مخلصًا في توحيده، مفردًا لفردانيته، مفتخرًا بعبوديته مستسلمًا لأحكام ربوبيته، مستأنسًا بشهود جماله، مستنيرًا بأنوار جلاله.
{لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] أي: لا تحويل لما خلقهم، فطر الناس كلهم على التوحيد فأقام قلب من خلقه للتوحيد والسعادة وأزاغ قلب من خلقه للإلحاد والشقاوة {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] القائم بالحق لا يغيره البلاء ولا تعتريه الأهواء.
{وَلَكِنَّْ أَكْثَرَ النَّاسِ} [الروم: 30] أي: الناسين الله غير الذاكرين الله {لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] قدر التوجه إلى الله بالإعراض عما سواه.