فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 1648

{وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] فلمَّا رأوا الآيات بعين الجهالة والضلالة رأوها سحرًا، وجعلوا الإصرار على الإنكار شعارهم، وهتكوا بألسنتهم في العتو أستارهم، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} [الأعراف: 133] فلمَّا توغلوا في فنون المخالفات صب عليهم أنواع العقوبات، فلا في التكفير رغبوا ولا إلى التطهير قصدوا.

{فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} [الأعراف: 133] في أصل الخلقة، فكانت عقوباتهم بصرف قلوبهم عن شهود الآيات والحقائق أبلغ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا ونعوذ بالله من مكامن المكر، {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} [الأعراف: 134] وهو الغضب من الله، {قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف: 134] ولم يقولوا: ربنا إذا لم يهتدوا إلى ربوبيته، وما ازدادوا بزيادة تلك المحن إلا بُعدًا وأجنبية، {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} [الأعراف: 134] بأن تدعوه ويجيب لك من فضله، {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: 134] ؛ يعني: لو انكشف عنا حجاب الغضب والسخط، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 134] {فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ} [الأعراف: 135] ، يعني: صورة الغضب والسخط وهو العذاب، {إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} [الأعراف: 135] فلمَّا رفع عنهم صورة الرجز آمنوا بالصورة لا بالحقيقة، فلمَّا بلغوا أجل المشيئة في إغراقهم نقضوا ما عاهدوا عليه، {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الأعراف: 136] قهرًا وغضبًا، {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 136] بأنهم كذبوا بآياتنا في الظاهر وفي الحقيقة، فتكذيبهم من نتائج الغضب الحقيقي، {وَكَانُواْ عَنْهَا} [الأعراف: 136] ؛ يعني: من حقائق أحكامنا، {غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] فما نفعهم العهد مع الميشئة القديمة، ولا خلفهم العقل مع الإرادة الأزلية.

ثم أخبر عن نتائج العناية لأهل السعادة بقوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ} [الأعراف: 137] ، الإشارة فيها: أن العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، ومن صبر على مقاساة الذل في الله توجه الله بتاج العزة، ويورثه عزة مذليه ومستضعفيه، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} ؛ أي: يطلبون مذلتهم وهوانهم {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137] بإخراجها من أيدي الكفار والظلمة والفسقة وايراثها المؤمنين الموحدين الصالحين، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 137] ؛ يعني: بالكلمة الحسنى ما قدر لهم في الأزل، قال فيهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقوله: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، فإنه قدر لهم من السعادة بما صبرهم على الشدائد في الدين كقوله تعالى: {بِمَا صَبَرُواْ} [الأعراف: 137] والصبر من أعمال أهل الجنة، قال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12] ، {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} [الأعراف: 137] ؛ يعني: ببني إسرائيل من الإذلال والإهانة، {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] ؛ أي: يرفعون بالتكبر والتحيز لأنفسهم، والتعريش: الارتفاع، يقال: عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على ما تحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت