فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 1648

ثم أخبر عن استحقاق كلا الفلايقين أنه من تركيب الجنسين مختلفين لقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} [الحجر: 26] أي قوله جزء مقسوم وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] يشير إلى أن خاصية نفس الإنسان ما تتولد من الصلصال ومن الحمأ المسنون بما يتولد من نار السموم وهي صفات شيطانية وما تغرس فيه الملائكة داؤه بنظر الملكية في ملكوته و {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 31] لأنهم نظروا إلى شخصه وهيكله ولم يشاهدوا اختصاصه بإضافة روحه إلى حضرته، وخلقته بيده، واستقامة تساوي قالبه {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] وتعليم الأسماء والإشراف على الغيوب بأنوار القلوب، فما زاد على ما تولد من إنسانية فهو من نتائج تعليم الأسماء واختصاصه بالإضافة والنفخة وغيرها من المواهب {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 28] أي: من هذا الصلصال الذي شاهد نموه وظعنتم فيه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} [الحجر: 29] بجعله قابلًا لنفحتي وللروح المضاف إلي {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} يشير بتشريف هذه الإضافة إلى اختصاص الروح بأعلى المراتب من الملكوت الأعلى وكمال قربه إلى الله، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] وإلى اختصاصه بقبول النفخة فإنه شُرِّفَ بهذا التشريف وخُصَّ به من سائر المخلوقات {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] وذلك لأن الروح لما أرسلت من أعلى مراتب القرب بنفخة الحق تعالى إلى أسفل سافلين القالب كان عبورها على الروحانيات والملائكة المقربين، وهم خلقوا من النور فاندرجت أنوار صفاتهم في نور صفاتها كما تندرج أنوار الكواكب في نور الشمس، ثم عبر على الجن والشياطين فاتخذ زبدة خواص صفاتهم، ثم عبر على الحيوانات فاستفاد منهم الخواص والقوى، ثم تعلق القالب بالمخلوق بيد الله بالتخمير وقهره المستعد لقبول التجلي، فلما خلق الله آدم تجلى فيه، قال لأهل الخطاب وهم الملائكة والجن: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] لاستحقاقه كماله في الخلقة ولشرفه بالعلم وقابليته للتجلي.

{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] لما فيهم من خصوصية العبادة، عبادة النورية واختصاص العلم بقبول النصح {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 31] لاختصاصه بالتمرد، تمرد الدأبة والجهل الذي هو مركون فيه ولحسبانه أنه عالم إذ قال له ربه: {يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] أي: ما حجتك في الامتناع عن السجود؟ {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33] أي: حجتي أنك خلقتني من نار وهي جوهر لطيف نوراني علوي وخلقته من طين وهو كشف ظلماني سفلي، فأنا خير منه بهذا الدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت