{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: 28] هذا إشارة إلى نعمة ألوهيته وخالقيته ورازقيته عليهم بدلوا {كُفْرًا} بالكفر والإنكار بالجحود {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ} أي: أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم {دَارَ الْبَوَارِ} أي: الهلاك فأنزلوا أبدانهم {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم: 29] وهي غاية البعد عن الحضرة والحرمان من الجنان وأنزلوا أنفسهم الدركات وقلوبهم العمى والصم والجهل وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة بتبديل نعم الأخلاق الملكية الحميدة بالأخلاق الشيطانية السعبية الذميمة.
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا} [إبراهيم: 30] من الهوى والدنيا وشهواتها {لِّيُضِلُّواْ} بها ويضلوا الناس بالامتناع {عَن سَبِيلِهِ} عن طلب الحق تعالى والسير إليه على أقدام الشريعة والطريقة للوصول إلى الحقيقة {قُلْ تَمَتَّعُواْ} بشهوات الدنيا ونعيمًا {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} نار جهنم للأبدان، ونار المحق والحرمان للنفوس، ونار الحياة للقلوب ونار القطيعة للأرواح.
{قُل لِّعِبَادِيَ} [إبراهيم: 31] لا لعباد الهوى {الَّذِينَ آمَنُواْ} بنور العناية وعرفوا قدر نعمة ألوهيتي ولم يبدلوها كفرًا {يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} ليلازموا العبودية ويديموا العكوف على بساط القربة ويثبتوا في المناجاة والمالكة {وَيُنْفِقُواْ} على الطالبين المريدين {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا} من أسرار الألوهية {وَعَلانِيَةً} من أحكام العبودية في طريق الربوبية {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ} وهو مفارقة الأرواح على الأبدان {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: لا يقدر على الإنفاق بطريق طلب المعارضة {وَلاَ خِلاَلٌ} أي: ولا بطريق المخاللة من غير طلب العوض؛ لأن آلة الإنفاق خرجت من يده، وبطل استعداد دعوة الخلق إلى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب والتأديب.
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} [إبراهيم: 32] سماوات القلوب {وَالْأَرْضَ} أرض النفوس {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} سماء القلوب {مَآءً} الحكمة {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} ثمرات الطاعة {رِزْقًا لَّكُمْ} أي: رزقًا لأرواحكم فإن الطاعات غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأبدان {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} فلك الشريعة {لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ} بحر الطريقة {بِأَمْرِهِ} أي: بأمر الحق لا بأمر الهوى والطبع؛ لأن استعمال فلك الشريعة إذا كان بأمر الهوى والطبع سريعًا يهلك ويغرق، ولا يبلغ ساحل الحقيقة إلا بأمر أولي الأمر وبملاحية وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أطاع أمر فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله".
وكم من سفن لأرباب الطلب لما شرعت في هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء الأهواء وتلاطم أمواج العزة وانقطعت دون ساحلها، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ} أنهار العلوم اللدنية {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ} [إبراهيم: 33] شمس الكشوف {وَالْقَمَرَ} قمر المشاهدات {دَآئِبَينَ} بالكشف والمشاهدة {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيلَ} ليل البشرية {وَالنَّهَارَ} نهار الروحانية وتسخير هذه الأشياء عبارة عن جعلها سببًا لاستكمال استعداد الإنسان في قبول الفيض الإلهي المختص به من بين سائر المخلوقات.