{إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] أي: ما نقول في سبب دعوتنا إلى غير مشاربنا لك إلا بعض مشتهياتنا تبعك في الطلب وعز عليك تحصيله، فأردت أن تترك مشاربنا ونطلب مشاربك، {قَالَ} [هود: 54] أي: القلب في الجواب، {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا} [هود: 54] أنتم أيضًا، {أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] {مِن دُونِهِ} [هود: 55] أي: بريء من المشارب كلها غير مشرب يسقيني فيه الله عز وجل من شراب طهور يطهرني من لوث الحدث.
ثم قال: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} [هود: 55] يا نفس الهوى والشيطان والدنيا، فيها إشارة إلى أن النفس وأخواتها في كيد القلب على الدوام والقلب المؤيد بالتأييد الرباني لا يبالي بيكدهم، وأنه متوكل على الله في جميع الحالات متظهر به حتى يقول: {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [هود: 55] فيما تقدرون في كيدي وعداوتي، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [هود: 56] أي: هو الذي يربيني على طلب الحق، ويربيكم على طلب الباطل، {مَّا مِن دَآبَّةٍ} [هود: 56] تدب في طلب الخير والشر، {إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} [هود: 56] يجرها بها إلى الخير والشر وهي في قبضة قدرته مذللة.
{إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 56] في إصلاح أهل الخير وإفساد أهل الشر، وفيه إشارة أخرى، {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يدل طالبيه به عليه بقوله: من طلبه فليطلبه على صراط مستقيم الشريعة على أقدام الطريقة، فإنه يصل إليه بالحقيقة، وأيضًا يعني: الصراط المستقيم هو الذي ينتهي إليه لا إلى غيره كقوله: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} [النجم: 42] ، {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [هود: 57] طلبو غير الله عن طلب الله قل يا قلب.
{فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} [هود: 57] بالإلهام، {مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [هود: 57] من دعوتكم إلى الحق أي: فإن لم تستجيبوا لي فيما دعوتكم إليه وهو طلب الكمال لاستحقاق الخلافة التي خلق الخلق لأجلها كما قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] يجعل الله تعالى خلافته في مستحقيها، {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا} [هود: 57] مستحقين لها، {غَيْرَكُمْ} [هود: 57] وهو الروح والسر والقلب.
{وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} [هود: 57] أي: لمن يجعله الله خليفة، {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57] ليحفظه في خصوصيته السيئة لا يقدر أحد على تغييرها، فلا يقدروا أهل الشقاوة على تغيير سعادة أهل السعادة، ولا أهل السعادة قادرون على تغير شقاوة أهل الشقاوة؛ لأن كلها محفوظة بحفظ الحق.
{وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} [هود: 58] بالشقاوة لأهل الشقاوة، {نَجَّيْنَا هُودًا} [هود: 58] القلب، {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} [هود: 58] من الروح وصفاته والبدن وجوارحه، {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} [هود: 58] بعناية سابقة، {وَنَجَّيْنَاهُمْ} [هود: 58] من الشقاوة، {مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58] فيه إشارة إلى أن العذاب نوعان: خفيف وغليظ، والخفيف: هو عذاب الشقاوة المقدرة قبل خلق الخلق، والغلظ: هو عذاب الشقي بشقاوة معاملات الأشقياء التي تجري عليه مع شقاوته المقدرة له قبل الوجود.