فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 1648

ثم أخبر عن تأثير عنايته وآثار هدايته بقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ} [التوبة: 117] إلى قوله تعالى: {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] ، {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ} أي: تاب عليه في الأزل قبل أن يذنب، وإذا وقعت التوبة من الله قبل الذنب فيكون الذنب قبل أن يقع مغفورًا، يدل عليه قوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] فالمغفرة مقدمة على الذنب، وكذلك قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] قدم العفو على الاعتراض، ولعل هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لتكون فائدة الذنب عائدة عليه من غير توب عن دنس الذنب، فإنه لم يكن لصورة الذنب فائدة راجعة إلى معنى الذنب لما أجرى الله صغيرة النبي من أنبيائه، وفي شرح هذا طول لا نشرع فيه.

وفيه معنى آخر وهو أن التوبة فضل من الله تعالى ورحمة مخصوصة به لينعم بذلك على عباده فكل نعمة وفضل يوصله الله إلى عباده تكون عبارة على ولاية النبوة، فمنها يفيض على المهاجرين والأنصار وجميع الأمة، فلهذا قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} [التوبة: 117] يدل على قوله صلى الله عليه وسلم"ما صاب الله في صدري شيئًا إلا وصبه في صدر أبي بكر".

{الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] عسرة ترك الدنيا وشهواتها ولذاتها، وعسرة نهي النفس عن هواها وعسرة الصبر على جهاد النفس ومخالفة هواها، وعسرة انقياد النفس لتكاليف الشرع واستعمالها، {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} [التوبة: 117] تميل الدنيا وشهواها طبعًا، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 117] بإفاضته نور العناية والرحمة؛ ليرجعوا من طلب الدنيا وشهواتها إلى طلب الآخرة ودرجاتها.

{إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] في الأزل والرحمة خلقهم، وفيه أشارة: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ} أي: نبي الروح، فإنه بمنزلة النبي يأخذ بإلهام الحق حقائق الدين ويبلغها إلى أمته من القلب والنفس و الجوارح والأعضاء، فالمعنى: أفاض الله على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة الروحانية إلى مدينة الجسدانية، والأنصار من القلب والنفس وصفاتهما الذين هم ساكنوا مدينة الجسد فيضان الرحمة.

{الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} أي: اتبعوا الروح ساعة رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة؛ إذ هم نشأوا من عالم السفل يعسر عليهم السير إلى عالم العلو {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} [التوبة: 117] من النفس وصفاتها وهواها، فإن ميلها طبعًا إلى عالم السفل، ثم تاب عليهم بإضافة الفيض الرباني؛ لغلبهم عن طبعهم {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] ؛ ليجعلهم بالسير بالشريعة قابلًا للرجوع إلى عالم الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت