وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء من الحق لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو، والصحو بعد السكر، وقد سمَّاه المشايخ الإثبات الثاني، حتى يتبين لهم ما يتقرب من الأعمال والأفعال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.
{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ} [التوبة: 115] من الآفات المفسدة للأحوال وبكل شيء من المرامات لمصلحة الحال، {عَلِيمٌ} [التوبة: 115] يلهم بها القلوب الحاضرة ويسمع بها الآذان الواعية، {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [التوبة: 116] تلك القدرة والإيجاد عليهما وما فيهما، {يُحْيِي} [التوبة: 116] بنور ربوبيته من يشاء، {وَيُمِيتُ} [التوبة: 116] عن صفات بشريته من يشاء، {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ} [التوبة: 116] يعطيكم الولاية، {وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 116] ينصركم عن الظفر بنفوسكم للهداية، فلا يشغلكم طلب الملك عن المالك، فإن طالب الملك لا يجدي المالك ولا يبقي الملك معه، طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعًا.