فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 1648

ثم أخبر عن الليل والنهار أنهما من نعمته وآثار رحمته بقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ} والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القصص: 71] يُشير إلى ليل الفراق عند استعلاء ظلمة البشرية أن جعله عليكم سرمدًا ولا نهارًا للوصال له إلى يوم القيامة {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} [القصص: 71] يخرجكم من ليل الفراق إلى نهار الوصال، وفيه إشارة أخرى وهي أن تعلم أن ليل الفراق ونهار الوصال بإيتاء الحق ليس لغيره تصرف فيهما هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} بسمع الحقيقة لتشكروا الله الذي ينعم عليكم بذهاب ليل الفراق وإيتاء نهار الوصال.

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ} [القصص: 72] نهار الوصال بطلوع شمس التجلي {سَرْمَدًا} لا ليل له {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ} [القصص: 72] ستر {تَسْكُنُونَ فِيهِ} من وعثاء سطوة التجلي وتستريحون فيه من نصب تحمل أعباء الوحي لما غلب كان يقول لعائشة رضي الله عنها:"كلميني يا حميراء"وذلك لتخرجه من سطوات الشمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب وليس هذا الستر من قبيل الحجاب، فإن الستر يكون عقيب التجلي وهو محاب الرحمة والمحبة لا حجاب الرحمة والمحبة، وذلك من جملة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم محميًا به إذ كان يقول:"إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة"به يخبر عن الستر والتجلي وذلك من غاية اللطف والرحمة والحجاب ما يكون العبد محجوبًا عن الحق تعالى وذلك من غاية القهر والعزة.

كما قال تعالى في المقهورين: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] وبقوله تعالى: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} يشير إلى أنكم لا تنظرون ببصر البصيرة أن الجبل لم يستقر مكانه عند سطوة صفة الربوبية وجعله دكًا وخر موسى مع قوة نبوته صعقًا، وذلك التجلي في أقل مقدار طرفة عين، فلم دام كيف يعيش الإنسان الضعيف، وهذا كما أن فلك الشمس تدور في بعض المواضع وجوبًا لا غروب للشمس فيه فنهاره من شدته فلا يعيش الحيوان فيه، ولا ينبت النبات فيه من قوة حرارة الشمس فيه، وكذلك يدور فلك الشمس في بعض المواقع بعكس هذا تحت الأرض ليس للشمس طلوع فليله سرمدي لا يعيش الحيوان أيضًا فيه ولا ينبت النبات، فلهذا المعنى قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ} [القصص: 73] أي: ليل الستر ونهار التجلي {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} في ليل الستر لتستريحوا وتسكنوا بسكون حاشتكم {وَلِتَبتَغُواْ} في نهار التجلي {مِن فَضْلِهِ} أي: فضل وصاله وفيه معنى آخر أن تسكنوا إلى الوصال في نهار التجلي نظيره قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت