فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 1648

{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [النحل: 35] لهذا المعنى بالاستهزاء {لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا} [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} {نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا} [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله ولا حرمنا من دونه من شيء؛ أي: ما حرمنا على أنفسنا نعمة طلب الله بطلب غيره هذا كلام حق أريد به باطل {كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النحل: 35] أهب الأهواء عبدوا أهواءهم واتخذوا إلههم وأمالوا التقصير إلى الله، فهل على الله إلا أن يرسل الرسل، وينزل الكتب فيأمرهم بالتبليغ والإنذار والتبشير {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35] أي: بلاغ يبين لهم طريق السير إلى الله ويهديهم إلى صراط مستقيم.

ثم أخبر عن بعثه الرسل وهداهم إلى السبيل بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الْطَّاغُوتَ} [النحل: 36] إشارة إلى أن شريعة الأنبياء - عليهم السلام - إلى الخلق بأن يأمروهم بعبادة الله واجتناب طاغوت الهوى، وما يعبدون من دون الله ويعلموهم كيفية العبادة الخالصة عن شوائب الرياء والسمعة وكيفية الاجتناب عما سوى الله ليصلوا بهذين القدمين إلى حضرة الجلال.

كما قال بعضهم: خطوتان وقد وصلت فالخطوة الأولى: عبادة الله بالتوحيد وهو التوجه إلى الله بالكلية طلبًا وشوقًا ومحبة، والثانية: الخروج عما سوى الله بالكلية صدقًا واجتهادًا بليغًا؛ لينالوا ما نال من قال لربه:"كلي لكلك مشغول"، فقال:"كلي لكلك مبذول".

وفي قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [النحل: 36] إشارة إلى أن الهداية إلى الله مطلقًا وليس لأحد فيها شركة، ومن لم يهد الله إلى حضرة جلاله بالوصول والوصال، فإنه يبقى ضالًا في تيه الضلال قال: حتى قال لخير خلقه وحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] وتلك الضلالة هي التي من نتيجة ظلمة الخلقية قبل إصابتها رشاش النور الذي من نتيجة الهداية {فَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ} [النحل: 36] أي: فاعتبروا من حال منكري البعث، فإن إنكارهم البعث لحرمانهم عن إحيائهم برشاش النور إذ لم يصبهم، فإن من أصابه ذلك النور فقد صار حيًا بنور الله، ومن أخطأه بقي ميتًا كما قال: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} [الأنعام: 122] ، فاعلم أن الإيمان بالبعث من نتيجة ذلك الإحياء، والكفر بالبعث من نتيجة حرمان ذلك الإحياء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ} [النحل: 37] أي: هدى من لم يصبه ذلك النور وأضله الله بخذلانه في ظلمة الخلقية {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} [النحل: 37] عن إصابة النور {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [النحل: 37] أي: على الهداية، ولو اجتمعت الإنس والجن لنصرتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت