كما أمره الله تعالى بقوله: {يَا بُنَيَّأَقِمِ الصَّلاَةَ} [لقمان: 17] أي: أدمها، وأدامتها في أن ينتهي من الفحشاء والمنكر فإنه تعالى وصف الصلاة بأن {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] فإنه في الصلاة وإن لم يكن على هيئاتها، ومن لم يكن منتهيًا عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وإن كان مؤديًا هيئاتها، ولهذا المعنى ذكر عقيب قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} ، وقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان: 17] يشير به إلى أن تأمر قلبك بالمعروف والمعروف ما يوصل العبد إلى الله وتنهي نفسك عن المنكر والمنكر ما يشغل العبد عن الله.
وقوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ} [لقمان: 17] يشير إلى أن البلاء والمحنة فلا بد للمريد الصادق أن يصبر على ما أصابه في أثناء الطلب مما ابتلاه الله به من الخوف من الأعداء في الظاهر أو من الأعداء في الباطن والجوع من الجوع الظاهر عند قلة الغذاء للنفس أو مفارقة الأولاد والأهالي والإخوان والثمرات يعني: ثمرات المجاهدات.
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] على هذه الأحوال بأن {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] إلى الحضرة {إِنَّ ذَلِكَ} [لقمان: 17] المقدمات {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان: 17] الموصلة للعبد إلى الرب {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان: 18] تكبرًا وتجبرًا معجبًا بما فتح الله عليك فتكون بهذا مفسدًا في لحظة ما أصلحته في مدة.
{وَلاَ تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان: 18] كمشية الجبارين وأيضًا ولا تمش مرحًا في طلب الحق تعالى بالتوالي والسكون كمشية المختال الفخور {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] في السير إليه فخور بما مال من الحق على الناس بطريق العجب والنظر إليهم بالحقارة {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19] بين مشي المتكاسل الجبان المتعلل وبين مشي المتسارع المستعجل المقدام {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} [لقمان: 19] في إظهار الدعاوى وكتمان المعاني كن فانيًا عن شواهدك مصطلمًا عن قولك مأخوذًا عن حولك وقوتك بما استولى عليك من كشوفات سرك وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك بل من سكر إعجابك وحسبانك، {إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فيه إشارة إلى أن الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحق وقالوا: هو صوفي يتكلم قبل أوانه.
ثم أخبر عن كمال عنايته في أهل ولايته بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20] يشير إلى ما في سماوات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل واليقين والصبر والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية والمواهب الربانية وتسخيرها بأن يستر العورة عليها بالسير والسلوك المتداركة بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها وإلى ما في أرض النفوس من الأوصاف الذميمة مثل الكبر والحسد والحقد والبخل والحرص والشره والشهوة وغيرها تبديلها بالأخلاق الحميدة والعبور عليها والتمتع بخواصها محترزًا عن عواقبها.