وهذا حال بعض المتعلمين لعلم الأصول والمعقولات عند تطرف الشكوك في أسرارهم ويتغير بها إخلاص التوحيد في أسرارهم بحسبان تحصيل التوحيد بطريق الاستدلال بالشبهات المعقولة {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] وكذلك حال بعض الفقراء الذين لا يتمسكون بذيل إرادة شيخ واصل ويلازمون صحبته ويستسلمون إليه ليربيهم على قاعدة الطريقة، وقانون الشريعة بل يدورون في العالم متابعي الهوى ويتلقون بعضهم في بعض كلمات من الطامات والخيالات الفاسدة، ويتوهمون من أسرار الشيوخ وكلماتهم في التوحيد في المعرفة معانٍ توقعهم في الكفر والإلحاد لأن أكثرهم يتركون ما أوجب عليهم الشرع من التكاليف على حسبان أنهم أهل عرفان في مقام الوحدة.
ثم قال: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] وذلك أن في الدنيا للروح والقلب ليس بد من القيام بالوحدة ثم بمصالح دنيوية لقوام البدن وتحصيل أسباب التعيش في بعض الأوقات ولا يمكنها ذلك إلا بموافقة السر فهو مأمورها بالمعروف أي: بحيث ألا يخل بحاله من الإخلاص {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} [لقمان: 15] وهي الخفاء الذي هو واسطة بين الروح والحق تعالى ومن طبعه الإنابة إلى الحضرة، {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ} [لقمان: 15] بطريق مجازاة كل واحد منكم، {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] من الخير والشر.
ثم أخبر عن دقائق الحكمة وحقائقها بقوله: {يَا بُنَيَّإِنَّهَآ} [لقمان: 16] يشير إلى المقسومات الأزلية من الأرزاق والأخلاق الإنسانية والمواهب الإلهية، {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ} [لقمان: 16] في الصورة والمعنى، {أَوْ فِي الْأَرْضِ} [لقمان: 16] في الصورة والمعنى {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان: 16] لمن قدر له وقسم من أسباب السعادة والشقاوة إن شاء بطريق كسب العبد وإن شاء {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] في حصولها {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2] ، {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} [لقمان: 16] بعباده {خَبِيرٌ} [لقمان: 16] بإتيان ما قسم لهم بلطف ربوبيته فالواجب على العبد أن يثق بوعده ويتكل على كرمه فيما قدر له ويسعى إلى القيام بعبوديته.