ثم أخبر عن الآيات مما في الأرض والسماوات بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] يشير إلى أن أرواح المؤمنين والكافرين خلقت قبل السماوات والأرض كما قال صلى الله عليه وسلم:"أنه تعالى خلق الأرواح وكانت شيئًا قبل الأجساد بألفي عام"، وفي نهاية رواية:"بأربعة آلاف سنة"وكان خلق السماوات والأرض بمشهد من الأرواح وكانت شيئًا واحدًا كما جاء في الحديث المشهور:"أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بنظر الرحمة، فبحمد نصفها فخلق منه العرش فارتعد العرش، فكتب الله تعالى: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن العرش وترك الماء على حالته يرتعد إلى يوم القيامة، وذلك قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ} [هود: 7] "وفي رواية ابن عمران بن حصين:"وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض"أي: ثم من تلاطم أمواجه صعدت أدخنة، وارتفع بعضها متراكمًا على بعض، وكان لها زبد فخلق منها السماوات والأرض طباقًا، وكانتا رتقًا فخلق الريح منها فتق بين أطباق السماء وأطباق الأرض.
كما أخبر بقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] وإنما خلقها من دخان ولم يخلقها من بخار؛ لأن الدخان خلق متماسك الأجزاء يستقر في منتهاه، والبخار كم كمال عمله وحكمته، ثم بعد ذلك مدَّ الزبد على وجه الماء ودحاه فصار أرضًا بقدرته، وذلك قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] ثم نظر إليها بعين الرحمة فجمدت كما جاء في الحديث قوله:"فبحمد بعضها"وهو التذلل في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} [الملك: 15] وأشار إلى هذه الجملة بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنبياء: 30] في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 15] {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] .
وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] يشير إلى أنه خلق حياة كل ذي حياة من الحيوانات من الماء الذي عرشه، وذلك أن الجوهرة التي هي مبدأ الموجودات هو الروح الأعظم خلقت أرواح الإنسان والملك من أعلاها، وخلقت أرواح الحيوان والدواب من أسفلها، وهو الماء كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} [النور: 45] وكان ذلك كله بمشهد من الأرواح ولذلك قال تعالى: {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] أي: أفلا يؤمنون بما خلقنا بمشهد من أرواحهم.
وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] يشير إلى: الأبدال الذين هم أوتاد الأرض وأطوارها، فأهل الأرض بهم يرزقون وبهم يمطرون {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا} [الأنبياء: 31] أي: وجعلنا في إرشادهم الفجاج والسبل إلى الله تعالى {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] بهم إلى الله تعالى.