فهرس الكتاب

الصفحة 997 من 1648

{وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ} [الأنبياء: 32] سماء القلب {سَقْفًا مَّحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] من وساوس شياطين الجن والإنس {وَهُمْ} [الأنبياء: 32] أي كافر النعمة {عَنْ آيَاتِهَا} [الأنبياء: 32] عن رؤية آياتها التي أودعنا فيها من الدلائل والبرهان والأسرار والحكم البالغة التي بها يهتدي وعن التفكر فيها {مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] ؛ لأنهم أقبلوا بكليتهم إلى الدنيا، وطلب زخارفها والتلذذ بشهواتها، وأعرضوا عن الله وشكر نعمه، والقيام بعبوديته.

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْلَّيْلَ} [الأنبياء: 33] ليل النفس الظلمانية {وَالنَّهَارَ} [الأنبياء: 32] نهار القلب المضيء {وَالشَّمْسَ} [الأنبياء: 32] وهي شمس نور الله الذي نور الله به قلوب أوليائه {وَالْقَمَرَ} [الأنبياء: 33] وهو نور الإسلام الذي شرح الله به صدور المؤمنين، وجعل بضوئه نفوسهم قرأ {كُلٌّ} [الأنبياء: 33] من أهل الإسلام، وأهل الإيمان، وأهل الولاية {فِي فَلَكٍ} [الأنبياء: 33] أفلاك أطوار القلب {يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] يبحرون ويسلكون.

ثم أخبر عن الرحلة من دار الفناء إلى دار البقاء بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34] يشير إلى أنه ليس من شأنه أن يخلد آدميًا في الدنيا، وإن كانا قادرين على تخليده {أَفَإِنْ مِّتَّ} [الأنبياء: 34] يا محمد كما هو من سنتنا {فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] في الدنيا بقدرتنا، بل أنت ميت وهم ميتون كما هو من سنتنا دليله قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] .

وبقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء: 35] يشير إلى أن من الحكمة البالغة والنعمة السابغة أنه جمع في طينة الإنسان ما أفرد به الملائكة بروح نوراني علوي باق أبدي، وأفرد الحيوانات بروح حيواني سفلي فانٍ، فأفرد الإنسان بتركيب الروحين فيه فانٍ حيوانيٍ وباقٍ ملكي، فالحكمة في ذلك: أن الروح الملكي غير متغذ، وإنما بقاؤه بالتسبيح والتقديس وهو بمثابة النفس للحيوان، ولهذا ليس للملك الترقي من مقامه والروح الحيواني قابل للترقي؛ لأنه متغذ، فجعل الله الإنسان مركبًا من الروحين؛ لينقطع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني المتغذي، وقبول الفناء الذي يعبر عنه بالموت؛ ليصير مترقيًا كالحيوان، وينطبع روحه الحيواني بطبع روحي الملكي؛ ليصير مسبحًا ومقدسًا كالملك باقيًا بعد المفارقة بخلاف الحيوانات؛ ولكن من اختصاص الروح الحيواني في التغذي: أن يجعل الغذاء جنس المتغذي، ويلونه بلونه، وصفته الروح الإنساني أن يكون متلونًا بلون الغذاء ومتصفًا بصفته؛ وذلك لأن غذاء الروح الحيواني الطعام الشراب، وهي من الجماد والنبات والحيوان المذبوح المطبوخ فيهما الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة مركوزة بالطبع، والروح الحيواني غالب عليها ومتصرف فيها بالطبع فيجعلها من جنس المتغذي، وغذاء الروح الإنساني ذكر الله وطاعته، والشوق والمحبة إلى لقائه الكريم، وفيه النور والجذبة الإلهية وهي غالبًا على الروح؛ فالروح يتجوهر بجوهرها، وفي الجوهرة بجوهر النور الرباني نوع من الفتاء عن وجوده والبقاء بنور ربه، فهو بمثابة ميت ذاق الموت، ثم أحيي بنور ربه، كما قال الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت