ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [المائدة: 84] ، بعد شهود الشواهد {وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 84] ، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 84] ؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [المائدة: 85] ،، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: {وَذلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85] ، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه".
{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 86] ، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [المائدة: 86] ؛ إذ لم يبصروا {َأُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 86] ؛ أي: هم الذين خُلقوا للنار، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأعراف: 179] .
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] ، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلًا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: {مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ، أي: عدها لكم وأعدكم لها {وَلاَ تَعْتَدُوا} [المائدة: 87] ، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوًا كبيرًا {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] ؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [المائدة: 88] ؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئًا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئًا عن المحدثات؛ ليكون محلًا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدًا، {وَاتَّقُوا اللَّهَ ِالَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88] ؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.